آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

صراع الأجيال

حسين رضي الضوء *

لا يخفى على ذي بصيرة التباين الواقع بين جيل الشباب وآبائهم في المجتمع، واتساع الفجوة بينهم، سواءً في نمط التفكير والأهداف والأفكار وغيرها، والذي غالباً ما يتولد بسبب عوامل اقتصادية واجتماعية. فلو نظرنا في النصف قرن المنصرم، لوجدنا اختلافات جذرية طرأت والتي بدورها أدت إلى تبلور الوضع الحالي في المجتمع. فاكتشاف الثروة البترولية وازدهار الإقتصاد، والانتقال من الريف إلى المدينة، ساهم في بناء مجتمع ذات سمات مختلفة عما عاش عليه الآباء، وولّد مفاهيم مغايرة لدى الشباب.

بدأ الآباء بالتحول من الحِرف والمهن اليدوية كأعمال أساسية لتوفير متطلبات حياتهم إلى الصناعة والعمالة، لا سيما مع ظهور شركة الزيت «أرامكو». هذا التغيير الجذري ساهم في تشكيل شريحة كبيرة من العمالة في المجتمع وتقليل الكفاءات الأكاديمية فيه، إلا أنه كان عاملاً أساس في الانتقال من الريف إلى المدن مع تقدم الحالة الاقتصادية للمجتمع. على الرغم من هذا الانتقال والذي بدوره كان ليضمن اتساع الآفاق والفرص، وتنوع مصادر العيش والثقافة، إلا أن انحسار هذه الشريحة الكبيرة وبقائها في مجال العمالة وعدم انتقالها إلى تحصيل الكفاءات الأكاديمية، أدى إلى محدودية طموحها واكتفائها بتوفير ما تحتاج من متطلبات الحياة.

أحد أبرز العوامل التي أدت لتغيير ثقافة المجتمع هو الانتقال من الريف إلى المدن. ففي ظل الحياة القديمة، عاش الآباء وسط بيئة مجتمعية صغيرة لا يتعدى تواصلها الثقافي خارج ذلك الريف أو القرية، مما يزيد من اضطرار الفرد للاتكال على عائلته ومجتمعه، وبالتالي تتوطد العلاقة بين الأبناء والآباء في ذلك المجتمع مما يجعل انتقال الثقافة والقيم آلية سلسة بين الأجيال.

في الجانب الآخر، يعيش جيل الشباب في المدينة باتساع أفقها وفرصها وتنوع مصادر الثقافة فيها، والتي ترغم كل فرد على الكفاح للحاق بقطار المعيشة. يعيش الشباب في المجتمع الذي تكون علاقات الأهل والعائلة فيه أقل اتكالية، وقائمة على المصالح المشتركة، مما يزيد من طموحه ورغبته باقتناص الفرص وتطلعه لتحصيل أكاديمي متقدم. وسط التطورات الاقتصادية والمجتمعية الذي يعيشها الشاب، وسلسلة الإحباطات التي مني بها العالم الاسلامي على صعيد التنمية الوطنية، يشعر الشاب بعدم الرضا بطريقة الحياة التي عاشها الآباء، وغير مؤهِلة لإرضاء غروره وطموحاته، فيميل لإنشاء سبل حياة جديدة لتنمية نمط مجتمعي يلبي تطلعاته في حياة يبنيها بيديه تجسد همومه واهتماماته. وكل ذلك يزداد إذا ما تحصل الشاب على تأهيل علمي يحسسه بمكانته وقيمته الاجتماعية، فمنعه من خلق المجتمع الذي يريده يحول تلك الرغبة إلى حق مهتَضَم قد تؤدي به إلى الجهر بالتمرد على التقاليد والقيم السائدة والأعراف الاجتماعية.

ينشأ بعد ذلك اصطدام آخر بين هذا الشباب الطموح ومحامو العادات والتقاليد، والذين يضفون القدسية لهذه الأعراف التي لا تشكل سوى عائقاً لهذه الطاقات الشبابية ببناء مجتمع يلبي طموحهم واحتياجاتهم. وهنا لا أقصد بالعادات والتقاليد مايتعلق بالدين وأمور الشريعة، وإنما الأعراف المجتمعية فقط. يتم وضع عوائق لكل ما هو جديد وتتم محاربته وردعه لا لشيء الا لكونه جديداً. وذلك يتمثل في كتاب سبنسر جونسون ”من الذي حرك قطعة الجبن الخاصة بي“ وقصة الفأرين الذين لم يتحسسا التغيير من حولهم ويتفهما أسبابه ورفضا تقبل التغيير من حولهم واتخاذ القرارات اللازمة والملائمة لهذا التغيير. على المجتمع أن يتفهم بأن ريح التغيير تعصف به، فهو قادم لا محالة، وقول بأن المجتمع مازال معتزاً بموروثاته مجرد وهم، ومنطق الأمور يقول بأن المجتمع يتغير من حولنا، فعلينا التماس النور من شعلة هذا التغيير إذا ما أردنا إدراك أبعاد وعمق هذه التحولات الثقافية والاجتماعية، وتسخيرها لبناء مجتمع يلبي احتياجات ثقافة مجتمعنا العالية ويلامس همومه.

المصادر:

سجالات الدين والتغيير في المجتمع السعودي، د. توفيق السيف

Who Moved My Cheese by Spencer Johnson
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو محمد
[ القطيف ]: 23 / 8 / 2014م - 12:24 م
المقال بعيد عن واقع القطيف ..!!
القرى هي القرى منذ كانت ولو تغير البناء أو طرق العيش الاقتصادية ..!!
تغير أشكال العمل ونمط الحياة لو كان هذا المقال في الثمانينات القرن الماضي ربما وجد أوجه كثيرة من التشابه في واقع القطيف ..!!
نتمنى من الباحثين تحديد الفترة الزمنية والشريحة الاجتماعية خاصة في القطيف اليوم ..!!
القطيف