آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

خديعة النفس

حسين رضي الضوء *

معرفة النفس هي اللَبِنة الأساس في تطوير الفرد والمجتمع، وهي عِماد مايتخذه المرء من قرارات يومية على مدى حياته، صغيرها وكبيرها على حدٍّ سواء. إلا أن سراج الشمعة في نفوسنا، والذي ينير الحقائق في سريرتنا يضمحل نوره في بعض الجوانب ويتلاشى مُخفِياً ما نود تجاهله حفاظاً على كرامتنا وكبريائنا، بجموحٍ منا لتهميش عيوبنا وإبقاء أنفسنا في دائرة الارتياح. ”خديعة النفس“ هو أحد الأوبئة النفسية المُبتلى بها في المجتمعات، وقوة مضادة تعسِّر توجيه الطاقات بشكل سليم اجتماعياً، وعلى الرغم من كونها طبيعة بشرية إلا أن ازدياد عتمة تلك الشمعة يحوّل هذه الطبيعة إلى مرضٍ بغيض.

من المضحك أو غير المنطقي النظر إلى مجموعة أطفالٍ أبرياء ونعتهم بالكاذبين أو المخادعين! إلا أن نشأة ”خديعة النفس“ تبدأ في مرحلة الطفولة. يتعرف الطفل منذ نعومة أظافره على نفسه خلال ردات أفعال من حوله من الوالدين والأخوة والأخوات، فتكبر معه إلى أن يصل لسن المراهقة وهي الفترة التي تشكل القلق الكبير وعدم الاطمئنان لجميع نواحي شخصيته، مما يضطره إلى اللجوء إلى خداع النفس بإخفائه ما يريد حجبه.

تتمثل خديعة النفس في عدة صور منها ”الإنكار“ وهي رفض الإقرار بصحة شيء ما على الرغم من علمه بها. على سبيل المثال، أن يقنع الشخص نفسه بأنه لا يعاني من الشك وهو يراقب زوجته وأجهزة الاتصال المتعلقة بها في الخفاء وباستمرار. أما النوع الثاني فهو ”التبرير“ وهو أن يلح الشخص بخلق أعذار تبرر أفعاله، كأن يعلل تدخينه للسجائر بشكل يومي بأنها تشعره بالارتياح تنسيه همومه ومشاكله مع علمه بأنها تضره صحياً. ثالث هذه الأنواع هو ”الإسقاط“ وهو أن يُسقط الشخص مافيه من عيوب على الآخر، كقوله ”أنا لست كذلك، بل أنت كذلك“. جميع هذه الأمثلة هي مسار لوقوع الفرد في مصيدة خديعة النفس.

خداع النفس موجود في جميع المجتمعات ولكن هل يزداد في مجتمعِ دون آخر؟ من المؤكد أن نِسَب الخداع تتفاوت من مجتمعٍ لآخر، وسببه يعود لاختلاف الصور النمطية stereotypes في المجتمع ووفرتها. دائما ما يحاول جميع أفراد المجتمع من الظهور للعيان على أنهم أشخاص ”طبيعيين“، أي ضمن الصورة النمطية التي وضعها المجتمع للشخص الطبيعي، فإذا ما حصل تعارض بين شخصية الفرد والصورة النمطية للمجتمع، يبدأ الشخص بنبذ حقيقته والالتحاق بركب الأكثرية في المجتمع. مما يعني بأننا بنفكر في جميع أمور حياتنا على معيار الصحة والصواب الخاص بالمجتمع وليس الخاص بأنفسنا، وبالتلازم يتوجب علينا الظهور بمظهرٍ محدد، والتحلي بعادات وأخلاق محددة، والتمسك بأفكار محددة، وهكذا. فبالتالي كلما ازدادت هذه الصور النمطية في المجتمع، ازدادت معها نسبة خديعة النفس للأفراد.

لإشعال فتيل الشمعة بداخلنا مجدداً، ومعرفة حقيقة أنفسنا دون خوف، يتوجب على كل من الفرد والمجتمع أمور، فعلى المجتمع إيقاف خلق الصور النمطية الخاطئة بين أفراده، واستخدام معيار الصحة والصواب الخاص بالفرد نفسه والذي يعكس آراءه واعتقاداته. كما يتوجب على الفرد تنمية الوعي الذاتي وتسخير حس المشاهدة والمتابعة لمحاسبة النفس عند التشكك بالقيام بأي أمر، أو عدم الارتياح لفعل ما، عند شعورك بردة فعل عاطفية شديدة... توقف وحاسب نفسك، عندما تقول ما لا تفعل.. توقف وحاسب نفسك، عندما تفكر بشكل غير منطقي.. توقف وحاسب نفسك. هكذا نستطيع خلق مجتمع يمتلك حرية التفكير والتحليل والاستنتاج ومن ثم الاختيار، ونبذ مجتمع مليء بالزيف والازدواجية.

المصادر:

The Folly of Fools by Robert Trivers

Lies We Tell Ourselves: The Psychology of Self - Deception by Cortney Warren
القطيف