آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

الانطوائي المُضطهَد

حسين رضي الضوء *

يمكن تصنيف جميع الأشخاص على طَيف سياق شخصي طرفاه هما الانطواء والانبساط «الانفتاح»، وعادةً ما يكون هذا التصنيف نسبياً، أي لا يوجد شخص انطوائي بنسبة كاملة وكذلك العكس بالنسبة للانبساط. وتختلف الشخصية الانطوائية عن نظيرتها المنفتحة في عدة أمور منها حب الانطوائي للعمل المنفرد عِوضاً عن العمل الجماعي، وتفضيله للتواجد بين مجموعة صغيرة من الأصدقاء على الانضمام لمجموعات كبيرة، وغيرها. والانطوائية ليست صعوبة تكوين العلاقات الاجتماعية كما هو شائع لدى الكثير، وليست حالة نفسية تحتاج إلى علاجٍ أو تقويم، فالانطواء ليس توحداً بل هو حالة طبيعية تماماً كالانبساط، إلا أن قدراتها العقلية تُحفز وطاقتها تزداد ضمن ظروف وعوامل مختلفة عما تتأقلم فيه الشخصية المنفتحة، كما أنه لا يوجد علاقة علمية بين الخجل والانطوائية، فقد يكون الانطوائي خجولاً وكذلك المنفتح. إذاً، ماهي الشخصية الانطوائية؟ وماهي الصعوبات التي تواجهها؟ وكيف يمكن تسخيرها لخدمة المجتمع؟

يُعرف عالم النفس كارل جَنغ الانطوائية على أنها الشخصية التي تخوض في عالمها الشخصي الداخلي المليء بالأفكار والأحاسيس، والتي تبحث عن معاني الأشياء من حولها بدل الانغماس المباشر فيه، كما أنها تلجأ للانزواء والابتعاد عن الناس كقسطٍ من الراحة والجلوس بمفردها إذا ما قضت وقتاً طويلاً في محافل اجتماعية. في حين يُعرف الشخصية المنفتحة على أنها الشخصية التي تخوض في العالم الخارجي المليء بالأشخاص والأنشطة، وتنخرط فيه، وتملأ طاقتها بانغماسها في التنشئة الاجتماعية. استناداً لتعريفَي كارل، نجد بأن الشخصيتين تتمتعان بصفات مغايرة ومتناقضة، إذ لا يمكن من كلتي الشخصيتين الإبداع والإنتاج ضمن بيئة مماثلة، فالانطوائي يبدع وينتج ضمن بيئة هادئة منعزلة، وعقلية المنفتح تُحفَز ضمن بيئة تعاونية جماعية. الاختلاف في الشخصيتين بحد ذاته لا يعد مشكلة على الإطلاق، إنما تكمن المعضلة في تهميش الشخصية الانطوائية «بغير قصد» وعدم تسخير قدراتها في تطوير ونمو وإعمار المجتمع ثقافياً، وسياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً.

هذا الإقصاء هو نتيجة عدم توفر ما تتطلبه الشخصية الانطوائية للإبداع. فمنذ الصغر وفي مرافق التعليم، يكون دائماً التشجيع على المشاركة خلال الدرس والمناقشة الجماعية زعماً بأنها الطريقة المثلى لتحفيز الدماغ والاستنتاج والوصول إلى الحل. وكذلك هو الحال في مكاتب العمل، فبيئة العمل غالباً ماتكون مفتوحة وخالية من الخصوصية ومهيئة للعمل الجماعي الذي يناسب الشخصية المنبسطة لا الانطوائية. نتيجةً لذلك، يعيش الانطوائي معظم حياته صراعاً بين شخصيتين متناقضتين، فيتوجب عليه وهو الانطوائي العمل ضمن فريق والمشاركة في الاجتماعات وإبداء رأيه في قاعة مليئة بالموظفين وإجراء عدة عروض تقديمية مرئية، وكل هذه الأنشطة تمثل بيئة خصبة لتحفيز دماغ المنفتح لا الانطوائي، فيعيش الشخص المنطوي شخصيةً لا تمثله في عمله أو المدرسة أو أي نشاط اجتماعي آخر، ويحاول إثبات نفسه ضمن ظروف لا تليق بشخصيته، وبالتالي تضيع جهوده وطاقاته ومهاراته وسط بيئةٍ لا ينتمي لها.

مما يزيد الطين بِلة، هو أن نسبة الانطوائيين ليست بالقليلة. فقد تصل إلى 30% على أقل تقدير، أي إن لم تكن انطوائياً فإن أخاك، زوجك، أو صديقك قد يكون انطوائياً. عدم استغلال طاقات هذه الشريحة التي ليست بالقليلة في المجتمع هو خسارة كبيرة، وإهدار لمهاراتها. فضلاً عن ذكر الدراسات العلمية التي تُثبت بأن الانطوائيين ذات تحصيل علمي أفضل من المنبسطين، وكذلك تمتعهم بمهارات ذكائية أعلى من أندادهم المنفتحين. لا سيما الشخصيات البارزة على مدى التاريخ والتي قدمت للإنسانية جمعاء خدمات جليلة وإنجازات علمية، معظمهم كانوا من الانطوائيين والذين تمكنوا من الوصول إلى نتائجهم في بيئة هادئة منعزلة تنم عن شخصيتهم الانطوائية، أمثال إسحق نيوتن وألبرت أنيشتاين ومهاتما غاندي وكذلك من الأمثلة المعاصرة لاري بيج «مؤسس شركة جوجل» وستيف وازنياك «مؤسس شركة أبل بالتشارك مع ستيف جوبز» وغيرهم الكثير الذين لا يمكن حصرهم. ولو تدبرنا بعض آيات القرآن الكريم وسير الأنبياء والرسل لوجدنا الكثير من الأمثلة التي تشير إلى أن النبوة لم تأتي إلى بعض الأنبياء إلا بعد العزلة والانطواء، وكأن العزلة والتدبر أمرٌ أساس لبناء وقيادة أمة وحضارة جديدة.

لا يمكن لأي مجتمع بأن يصل إلى مستوى مرموق حضاريا وثقافيا بإقصائه فئة كبيرة من المجتمع، أياً تكن هذه الفئة. فعلى سبيل المثال، إبعاد المرأة عن المشاركة في أمور عدة وتهميشها في اتخاذ العديد من القرارات ساهم في تدهور المجتمع، واضطره إلى الاقتصار على طاقات محدودة، كذلك هو الحال تماماً بالنسبة للانطوائيين. كثيرة هي الفئات في المجتمع التي تم غربلتها بقصدٍ أو بغير قصد ولم يتبقى إلا حفنة صغيرة منها تكافح من أجل بناء مجتمع حضاري مثقف، ثم نتساءل أين شرائح المجتمع الأخرى؟

المصدر:

Quiet: The Power of Introverts in a World That Can’t Stop Talking، by Susan Cain
القطيف