آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

المرجعية الفكرية

حسين آل غزوي

تعتبر المرجعية الفكرية واحدة من أهم المصادر التي يتم الاعتماد عليها في اثبات الكثير من القضايا الاجتماعية الاقتصادية والسياسية... الخ.

فكل قضية من القضايا الفكرية تعتمد في اثباتاتها العملية على جانب نظري تستمد منه المعلومات التي يراد اثباتها وتقع تحت مظلتها، لهذا فقد تعددت المرجعيات الفكرية في كثير من القضايا الفكرية التي يراد معالجتها، فالقضايا الدينية ترجع في اثباتاتها إلى مرجعية دينية مثل الكتاب والسنة.

لكن اكثر ما يثير الجدل الفكري، حول موضوع المرجعية الفكرية، هو معالجة بعض القضايا الفكرية استناداً على مرجعيات فكرية قد تكون غير مناسبة لإثبات قضاياها الفكرية، وذلك من مقدمة افتراضية تنص على أن هناك الكثير من المرجعيات الفكرية وليس مرجعية فكرية واحدة يمكن أن يستمد منها كل القضايا الفكرية.

وقد يوجه الاتهام بالدرجة الأولى إلى بعض من يعالج بعض القضايا الفكرية من منطلق ايدولوجي، يهدف بذلك لإثبات قضاياه الفكرية من مرجيعات فكرية تكون خارج نطاق المرجعية الفكرية التي يراد اثبات قضاياها، ومن هنا نرى بعض المفكرين يعتبر المرجعية الفكرية حجر الاساس في عملية نقده للقضايا الفكرية التي يتم معالجتها من قبل الكثير من الكُتاب والتي تتسم كتاباتهم بالطابع الايدولويجي.

ورغم التنوع في المرجعيات الفكرية إلا أن المرجعية الدينية تعتبر المرجعية الأولى ذات التأثير على كثير من القضايا الفكرية في العالم العربي المعاصر، ويعود ذلك بسبب الطبيعة الفكرية للعالم العربي والإسلامي بالتحديد، وما يمثله الدين من تأثير على حياة الناس في كثير من القضايا الفكرية التي تواجههم في معترك الحياة العملية والنظرية.

ولا بأس أن نسوق هنا مثال عن الجدل الفكري للمرجعية الفكرية لحقوق الانسان، انطلاقاً من السؤال التالي:

ما هي المرجعية الفكرية لحقوق الإنسان؟

عندما تطرق المفكر محمد عابد الجابري لموضوع المرجعية الفكرية للحقوق الانسان فإنه يشير إلى أنه ”من المعروف في تاريخ الفكر البشري أن الدين هو الذي قدم ويقدم عادة المرجعية التي تعلو على جميع المرجعيات“ [1] 

يفترض الجابري أن المرجعية الدينية مقدمة على جميع المرجعيات الفكرية وذلك بسبب تأثر الفكر البشري بهذه المرجعية في معالجتها لقضياها الفكرية وذلك من منطلق النظرة التاريخية لعلاج كثير من القضايا الفكرية من مرجعية دينية.

إلا أن الجابري يعود ويشير إلى أن مرجعية حقوق الانسان ”لم يكن الدين إذا هو المرجعية الكلية“ العالمية ”التي اسس عليها فلاسفة أوروبا، في القرن الثامن عشر، عالمية“ حقوق الانسان ”التي بشروا بها، بل قد عمدوا إلى بناء مرجعية عقلية مستقلة تتجاوز سلطة الكنيسة وتعلو عليها، مرجعية تتألف من ثلاث فرضيات رئيسية هي: القول بالتطابق بين نظام الطبيعة ونظام العقل، وافتراض ما أسموه“ ب ”حالة الطبيعة“ ثم فكرة ”العقد الاجتماعي“. [2] 

مقولة الجابري السابقة تركت أثراً في ساحة الفكر العربي المعاصر، حيث أشار الكاتب أحمد القبانجي في كاتبه ”الاسلام المدني“ وبالتحديد المقولة الثانية بعنوان ”المجتمع المدني وحقوق الانسان“ وخصص جزء من المقالة تناول فيها ما أورده الاستاذ زكي الميلاد في كتابه الفكر الاسلامي قراءات ومراجعات، حيث اشار بالقول ”فمن ذلك ما أورده“ زكي الميلاد " من جوانب نقد الفكر الاسلامي لخطاب الغربي لحقوق الانسان:

”أولاً: إن حقوق الإنسان في الخطاب الغربي تتأسس على مرجعية فكرية تستبعد الدين من أن يكون مصدراً في هذه المرجعية ومن المعروف في تاريخ الفكر البشري أن الدين هو الذي قدم ويقدم عادة المرجعية التي تعلو على جميع المرجعيات، إن رد أمر ما من الامور إلى الله تعالى معناه تأسيسه على مرجعية كلية مطلقة لا يؤثر فيه اختلاف الثقافات والحضارات، مرجعية تعلو على الزمن والتاريخ وبالتالي على الانسان نفسه“ [3] 

واكمل الكاتب القبانجي بعد هذه الفقرة بالقول " وأنت ترى ما في هذه البيان من خلط بين مرجعية الدين الحقيقية، وهو الله تعالى، وبين مرجعيته البشرية وهم الفقهاء ورجال الدين، حيث لا مشكلة مع الأول، ولكن عصر الوحي قد انقضى وليس بيننا من يتصل مباشرة بهذه المرجعية العليا، وما لدينا من مرجعية دينية، إنما هي فكر بشري يستقي من النصوص الدينية حسب اجتهاد الفقهاء واختلافهم في الرأي والمذهب والدين، فإلى من نرجع في هذه المسائل؟ هل إلى علماء الدين المسيحي، أو المسلمين من السنة، او من الشيعة، وعلماء كل مذهب لا يتفقون كذلك على نظرية موحدة منسجمة في دائرة الحقوق، وبعد هذا هل يصح القول بأن المرجعية الدين هي الأصل؟

وايضاً فأن مسألة الحقوق إنما تؤخذ من خارج الدين، ووظيفة الدين ليست في صياغة حقوق الانسان، بل في دعمها وتأييدها وحث الناس على الالتزام بها حالها حال الاخلاق التي لا يأتي الدين إلا لتوكيدها وربطها بالله تعالى، لإيجاد الضمانات القوية في واقع الانسان للتحرك في أجوائها وممارستها لا لتأسيسها وانشائها، فمن المعلوم أن الاخلاق والحقوق كانت موجودة قبل نزول الاديان، بل إن المعيار السليم لإثبات حقانية دين معين أو بطلانه يكمن في مدى ما تتضمن تعاليم هذا الدين من أحكام اخلاقية ومسائل شريعة تضمن حقوق الافراد، وإلا فإن كل دين بإمكانه أن يدعي لنفسه الحقانية والمشروعية السماوية، وهذا يقتضي أن تكون الاخلاق والحقوق من الأمور التي يعيشها الانسان بوجدانه وفطرته ليتمكن بعد ذلك من تشخيص الحق والباطل من الاديان " [4] 

أولاً: يلاحظ في ما اشار إليه الكاتب احمد القبانجي بأنه رفض أن تكون مرجعية حقوق الإنسان هي الدين، وأوضح ”أن مسألة الحقوق إنما تؤخذ من خارج الدين، ووظيفة الدين ليست في صياغة حقوق الانسان، بل في دعمها وتأييدها“ [5] 

ثانياً: يلاحظ بأن القائل في المقولة السابقة هو الاستاذ زكي الميلاد، وهذا خلاف ما ورد في كتاب الفكر الاسلامي قراءات ومراجعات للأستاذ زكي الميلاد، حيث أن المقولة السابقة هي في الاساس رأي الدكتور محمد عابد الجابري - كما تم ذكرها في البداية مع تحديد المصدر - أورده الاستاذ زكي الميلاد بين علامتين تنصيص وذلك بالتالي:

”حين توقف الدكتور محمد عابد الجابري أمام هذه المسألة في الثقافة الأوربية، شرحها بقوله“ من المعروف في تاريخ الفكر البشري أن الدين هو الذي يقدم ويقدم عادة المرجعية التي تعلو على جميع المرجعيات إن رد أمر ما من الامور إلى الله تعالى معناه تأسيسه على مرجعية كلية مطلقة لا يؤثر فيه اختلاف الثقافات والحضارات، مرجعية تعلو على الزمن والتاريخ وبالتالي على الانسان نفسه، اياً كان وأن كان، فهل لجأ فلاسفة أوربا في القرن الثامن عشر إلى الدين في محاولتهم تأسيس عالمية حقوق الانسان التي نادوا بها، والتي رسمها إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1776م من جهة، وبيان الجمعية الوطنية الفرنسية في 26 اب/ اغسطس 1789 م من جهة أخرى " [6] 

ويكمل الجابري قوله ”الواقع أنه بالرغم من ان نص إعلان الاستقلال الامريكي قد وظف في تقريره لحقوق الانسان مفاهيم دينية صريحة، مثل الخالق والحاكم الاعلى للكون والعناية الالهية، وكذلك بالرغم من أن إعلان حقوق الانسان والمواطن الذي اصدرته الجمعية الوطنية الفرنسية، قد أشار في ديباجته الى رعاية الكائن الأسمى - أي الله - إنه بالرغم من هذا وذاك، فإن الدين لم يكن بصورة من الصور المرجعية التي تؤسس حقوق الانسان تلك، بل أن هذه الحقوق قد نودي بها أصلا من طرف الفلاسفة، ضداً لجميع السلطات التي كانت تتحكم في الانسان الاوروبي في ذلك الوقت، وعلى رأسها سلطة التقليد وسلطة االكنيسة، لم يكن الدين، إذا هو المرجعية الكلية العالمية التي أسس عليها فلاسفة أوروبا في القرن الثامن عشر، عالمية حقوق الانسان التي بشروا بها“ [7] 

هنا ينتهي النص المقتبس الذي ذكره الاستاذ زكي الميلاد فيما يتعلق بما ذكره الدكتور محمد عابد الجابري بخصوص علاقة المرجعية بحقوق الانسان، واعتقد أن القبانجي قد وقع في التباس حينما نسب المقولة السابقة للأستاذ زكي الميلاد وهي في واقع الأمر للدكتور محمد عابد الجابري.

أما حينما يتناول الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي موضوع حقوق الإنسان، وذلك في نقد جواب مدرسة الحقوق الطبيعية حول منشأ الحق يقول ”أن الحقوق الطبيعية إذا كانت تعني وجود شيء باسم الطبيعة يمنح الحقوق للانسان، فهو كلام واه وغير منطقي، والمعنى المعقول للحقوق الطبيعية يمكن أن يكون بهذا الشكل: أن مقتضى وطبيعة موجود ما هو أن يتمتع بمجموعة من الحقوق التي ترتبط ببقاء واستمرار تلك الطبيعة، وقد قلنا حول هذا المعنى ان الشيء الوحيد الذي يمكن ان نستنتجه من هذه التوضيح هو إثبات مجموعة من الحقوق بشكل إجمالي، لكن لا يستفاد منه أن هذه الحقوق تكون مطلقة وليس فيها أي نوع من المحدودية او الاستثناء“ [8] 

ختاماً، هناك الكثير من القضايا الفكرية تُعالج من منطلق مرجعيات فكرية خارجة عن اطار المرجعية الفكرية للقضية التي يتم تناولها، وينبغي علينا أن نتناول تلك القضايا الفكرية بالدراسة والتحليل والتفكيك الفلسفي لمعرفة مبانيها التي تأسست عليها تلك القضايا، ولكي لا نقع في التباس معرفي يؤثر على حياتنا الفكرية.

[1]  الجابري، محمد عابد، 2004م الديمقراطية وحقوق الانسان، قضايا الفكر العربي «2» مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، ص 147
[2]  الجابري، محمد عابد، 2004م الديمقراطية وحقوق الانسان، قضايا الفكر العربي «2» مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، ص 147
[3]  القبانجي، احمد، 2009، الاسلام المدني، مؤسسة الانتشار العربي، لبنان، ص 90
[4]  القبانجي، احمد، 2009، الاسلام المدني، مؤسسة الانتشار العربي، لبنان ص 91
[5]  القبانجي، احمد، 2009، الاسلام المدني، مؤسسة الانتشار العربي، لبنان ص 91
[6]  الميلاد، زكي، 2012م، الفكر الاسلامي قراءات ومراجعات، الشبكة العربية للابحاث والنشر، لبنان، ص 135
[7]  الميلاد، زكي، 2012م، الفكر الاسلامي قراءات ومراجعات، الشبكة العربية للابحاث والنشر، لبنان، ص 135
[8]  اليزدي، محمد تقي مصباح، 2010م، النظرية الحقوقية في الاسلام، دار الولاء، بيروت، لبنان، ص 93
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو محمد
[ القطيف ]: 26 / 7 / 2014م - 3:06 ص
السألة تنسحب على الكثير من العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع والنفس فهي بأصل لها مرجعيات فكرية مغايرة عن المرجعيات ذات الأصل العربي الموروث أو حتى المحاولات التي تحاول خلق نوع من التوفق ..!!
لحد الآن على الأقل في القرن العشرين لم يوجد فيلسوف عربي له مشروع متكامل .. نبقى تتراوح بين مرجعيات شرقية وغربية
..!!