آخر تحديث: 30 / 11 / 2021م - 5:25 م

الكرامة أولا وأبدا

الشيخ حبيب الخباز *

التأكيد على شعار الوطن والوطنية في ظل سياسات الحكومات المستبدة وأجهزتها الاعلامية فيها من المبالغات والمزايدات، وقد يكون الهدف منها هو التأكيد على الولاء لهذه الحكومات وتحقيق أمنها الذاتي وكذلك تشويه صورة أي معارضة ونقد او اصلاح، وقمع كذلك لأي حركة ونهضة وثورة من أجل الكرامة.

وهنا نتساءل أمام هذه اللغة والافراط في استعمالها واشهارها هل حب الوطن يحتاج الى اثبات؟ أم هو مرتبط بكرامة الانسان، فان تحققت يصبح الوطن ذا قيمة والا لا خير في الاوطان الا من أراد الذل والهوان، والقبول بأدنى الحظوظ من العيش دون الطموح والتطلع الى الامام، وكما يقول الامام علي " لا يدفع الضيم الذليل ".

ان حب الأوطان وعشقها من الامور الطبيعية كأي شيء يعتاد عليه الانسان ويألفه، فكيف اذا كان الوطن هو مسقط راسه ونمى في ربوعه وشم هواه واختلط بنسيجه الاجتماعي. ولذلك قيل لا يلام الرجل على حب أمه وقومه، ولذلك من الصعب التخلي عن الاوطان والهجرة عنها الا اذا عانى الانسان من المشاكل والضغوط والاكراه وهي حالات استثنائية، كما يقول الشاعر مبينا عمق التأثير لهذا الانتماء للوطن:

بلادي وان جارت علي عزيزة    واهلي وان بغوا علي كرام

ولهذا السبب والحالة نجد بعض العقول والكفاءات والشخصيات الواعية لا تحتمل العيش في اوطانها بالرغم من تلك الصعوبة والمرارة والاحساس بالحسرة والفراق من الغربة، ومع ذلك تفضل الغربة على الوطن.

وهذه الحقيقة اشار اليها القرآن واكد على مشروعيتها وقد تكون مسؤولية على عاتق الانسان، فلا يجوز للإنسان ان يعيش قابعا اسيرا مقيدا للظروف والتبعية للناس والنظام الفاسد، خصوصا عند الشعور بفقدان الكرامة، بل لابد من الاصلاح والتغيير عند القدرة والا لا يجوز بحال الاستسلام وتقديم التبريرات والتعليلات. قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراًالنساء97

ان التلويح بهذا المصير للمتقاعسين والمستسلمين للواقع الفاسد يدل بالضرورة على القدرة والامكانيات على التغيير والاصلاح والامر بالمعروف، أي القدرة على حمل المسؤولية بما أنعم الله على الانسام من عقل وارادة وامكانيات، لكن في الواقع نجد الكثير من الناس والمجتمعات تتملص من مسؤولياتها وتخضع للواقع وتساهم في تكريس الظلم والفساد، ولا يستجيبون الى نداء ودعوات الاصلاح.

اذا الاستضعاف قد تكون نتيجة مشتركة من الظالم والمظلومين وذلك حين يتركون واجبهم، نعم هناك حالات استثنائية من المستضعفين وهم الذين يفتقدون الى الوعي والقدرة على الحركة والنهوض من النساء والاطفال والشيوخ، ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاًالنساء98، أما مع عدم القدرة على الخروج والهجرة من الوطن لأي سبب فيجب أن يتحملوا مسؤوليتهم في داخل البلاد مع قدرتهم على ذلك، ونصرتهم للحق والدعوة والتغيير كما قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌالأنفال72، وهكذا فالقرآن يؤكد على حتمية التغير عبر كل الوسائل، كتشكيل معارضة وتظافر الجهود في الداخل والخارج. أي لا بد من وجود مساهمة حقيقية والتحرك حسب القدرة والفرص المتاحة من قبل الجميع الله لا يكلف نفسا الا ما آتاها ووسعها.

من هنا جاء التأكيد على الحركة والتفكير في خلق الفرص والنظرة الواسعة للحياة والافاق من اجل سعادة الانسان وتحسين وضعه ولا يستسلم للقدر ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُالملك15. ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِالعنكبوت56 ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍالزمر10

ولذلك فان من أهم المبررات للجهاد في سبيل الله هو رفع الاستضعاف عنهم وتحقيق كرامتهم، وان مثل هذا من الجهاد لا يحتاج الى أوامر كفتوى او ترخيص من جهة لأنه من الواجبات الضرورة مثل الدفاع عن الدين والحرية والعيش الكريم والتي تعتبر من الاساسيات ومقومات الحياة، كما تشير الاية الكريمة باسلوب الاستنكار والتوبيخ «أي لا مانع لكم من القتال والجهاد من أجل المستضفين ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراًالنساء75

شهداء الكرامة هم شهداء الوطن

اذا التضحية من اجل الكرامة هو جهاد في سبيل الله ومن اجل الوطن، من خلالها تتحقق هوية الانسان ووطنيته، واذا صح هذا الخبر بأن «حب الوطن من الايمان» لا يمكن أن يكون مجرد عن الكرامة والحياة الكريمة، ومن هو العاقل والواعي الذي يحب وطنه يتشبث به وهو لا يجد فيه سبل الحياة والعيش طريق لتحقيق الاهداف، وما الذي يدعو اصحاب العقول والكفاءات للتخلي عن اوطانهم والمنأى عنه، من هنا نقول ان المعيار السوي لاختيار الاوطان هي ضمان الكرامة الانسانية فهي سبب للحب والبقاء والدفاع وبدون ذلك فلا قيمة ذاتية للوطن ومصلحة سوى بقاء الذكريات لحياة الصبى والطفولة، مثل التنقل في مراحل الدراسة بين مدرسة واخرى. وفي الحديث «ان الناس جبلوا على حب من أحسن اليهم وبغض من أساس اليهم». فالوطن الذي لا يمنح السعادة لأبنائه يصبح سجنا ويضيق ذرعا، وهذا ما تؤكد عليه الكثير من الاحاديث منها " ليس بلاد أفضل من بلاد خير البلاد ما حملك".

الرسول الاعظم ﷺ والهجرة المقدسة:

وتأكيد على هذه الحقيقة هي هجرة الرسول ﷺ من مكة المكرمة حين وجد نفسه مكبلا من قبل قومه المشركين، ومكة هي العزيزة على قلبه ومسقط راسه ومهبط وحيه، لكن الشعور بالمسؤولية والواجب فوق كل اعتبار وقيمة، ونتساءل هل هذه الهجرة تدل على الكراهية بدل الحب للوطن، أم هي تحقيق للحب الصادق والمواطنة الصادقة التي تتطلب التضحيات. ولذلك كانت الهجرة سببا للفتح الكبير.

الحكومات الجائرة وشماعة الوطن

من هنا نعرف تلك الاهداف والسياسات من قبل هذه الحكومات التي تؤكد على الوطن والمواطنة وهي تريد بذلك التأكيد على الخضوع والطاعة والولاء لها دون أن تعبأ بحياة الانسان واوضاع الناس وكرامتهم في الحياة، ولا يهمها سوى الاطمئنان على أمنها وتزييف الحقائق في سبيل ذلك، وتنكل بكل من ينتقد سياستها او ينشد الاصلاح، فهل كان هؤلاء الشرفاء لا يحبون أوطانهم اذا من يحب وطنه؟!

ولذلك ليس غريبا ومن السهل الصاق التهم وتشويه الصورة لكل من يحمل راية الاصلاح ويسعى من اجل الدفاع عن وطنه ورفعته بكل انواع التهم والخيانة والمؤامرة وهذا في الواقع هو انقلاب في الصورة والحقيقة. وهذا هو ديدن الطغاة عبر التاريخ، حيث يسعون لتأليب الناس والتأثير عليهم تحت هذا الشعارات والمفاهيم المغلوطة وعلى سبيل المثال لا الحصر، فهذا فرعون الطاغية يتهم موسى ع وهو النبي والرسول والمبلغ والهادي والمصلح، فيقول "﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَغافر26 كما أتهم نبينا الاكرم ص بالسحر والجنون وهو من جاء ليخرجهم من الظلمات الى النور.

ولذلك تسعى الحكومات بكل الوسائل للحد من تأثير الصحوة واليقظة بخلق ثورة مضادة عبر منظومتها الاعلامية بالتأكيد على مفهوم الامن والاستقرار والحفاظ على الانجازات ومن هذه الوسائل:

1 - الهيمنة والسيطرة على وسائل الاعلام المختلفة والمناهج لتكريس هذه المفاهيم المضادة حسب رؤيتها وسياستها.

2 - استغلال الدين والعلماء لتبرير وشرعنه هذه السياسات والمفاهيم لتصبح سياجا ومانعا من كل الاختراقات والتأثيرات الفكرية والسياسية وكذلك التربص للنيل من كل المصلحين.

3 - بالإضافة الى هذا الارهاب الفكري والاعلامي لا تتوانى هذه الحكومات والانظمة من استخدام القوة المفرطة ووسائل القمع وترهيب الناس بالقتل والتنكيل والمحاصرة والضغوطات والسجون والمنع من السفر وكافة الاجراءات التي تضمن الاستقرار حسب مفهوما. ان سياسة التكميم للأفواه باتت وسائل معروفة ومفضوحة واجراءات تعسفية في ظل هذه الحكومات حتى عرفت بدول الصمت.

الثورات العربية والكرامة المسلوبة

ومن الطبيعي ان الحكومات المستبدة المتبقية غير راضية بما حدث من ثورات وشهدت من تحولات في الوطن العربي، وتعتبر ما حدث هو فوضى ومؤامرة وأحيانا تصف ذلك بالتهور، مع انها كانت سلمية وانطلقت من أهداف واضحة للجميع وذلك بسبب الظلم والحرمان والقهر وانحطاط كرامة الانسان والتخلف العام. فهل يمكن الحكم على هذه الثورات الجماهيرية والشعبية بأنها خيانة ضد الاوطان ام انها ثورات حقيقية ضد سياسات الاستبداد والحرمان والدفاع عن الاوطان والتخلص والتحرير من الطغيان. ولذلك هي ثورات الكرامة المسلوبة على مر عقود من الزمان.

الوطن بين الانتماء والولاء:

ومن المفاهيم المغلوطة والتي تحاول الانظمة الفاسدة تمريرها على الناس هي تهمة الولاء، أي التشكيك في ولاء المصلحين والغيورين، بأن ولاءهم للخارج وليس للوطن. وهذا غير صحيح بل هي لعبة وخلط للمفاهيم وكذلك تكريس الى روح الطائفية المقيتة، وهذا التعسف في تقديم وتلفيق التهم خالي من الشواهد والبراهين لأنهم يفتقد الى المصداقية والموضوعية، لكن مع ذلك فان هذه الانظمة لا تتورع عن استخدام كل الاساليب التي تصب لصالحها وتحاول ان تؤلب الناس وتجيرهم ضد أعدائها وخصومها حسب زعمها.

من هنا لا بد من التفريق والتمييز بين ا لانتماء الى الارض او فئة او جماعة معينة لأسباب قد تكون قاهرة وخارجة عن ارادة الانسان مثل التنشئة والولادة في بلد معين، او يكون مع جماعة في العمل او في فصل اومدرسة في مرحلة من المراحل ثم ينتقل منها، كل ذلك تعبير عن الانتماء وليس له علاقة بالولاء الذي يرتبط عادة بالدين والاعتقاد والقناعات الشخصية، ولذلك يمكن ان يعيش الانسان وينتمي الى وطن متعدد الولاءات والاديان وكذلك الجنسيات ومع ذلك فهو يقوم بوظيفته وواجبه ومسؤولياته، من حفظ النظام والسعي نحو تحقيق المصالح العليا، والافتخار ببلده وتمثيلها احسن تمثيل، خصوصا اذا شعر بدوره وقيمته وكرامته، فلا تعارض بين الانتماء والولاء.

ونجد مثل هذه المشكلة تتضخم وتقبع وتأخذ ابعادا منحرفة بسبب السياسات الخاطئة والظلم، ولذلك ان هذه المشاكل لا تجدها في تلك الدول الديمقراطية، مع كثرة واختلاف الاديان والتيارات والثقافات، سواء كانت دول غربية أو اسلامية مثل الهند وماليزيا وإندونيسيا، لأنها أولا تحترم خصوصية الانسان وحريته في قضية الولاء والعقيدة، وثانيا لأنها حكومات منتخبة تعبر عن جميع الطوائف والاتجاهات عبر تمثيلهم في البرلمانات ومجالس الشورى والمشاركة في الحكم حسب الدستور والقوانين التي وضعت، واحترام العقد بين هذه الحكومات وشعوبها، وبسبب ذلك فهي تنأى عن مثل هذه المشاكل التي تعيق حركة الشعوب وتقف عقبة أمام تطورها وتقدمها وتنميتها.

أما السؤال المحير هو: لو قلنا بوجوب الولاء للوطن والحاكم فهل للإنسان المسلم الذي نشأ وانتمى في بلد غير مسلم ان يدين بذلك النظام ويخضع له ويطيع اوامره في كل شيء حتى يثبت ولاءه؟

وبالرغم من ان مسألة الاختلاف في الولاءات لا تتعارض مع الانتماء وحب الاوطان، بل يعد هذا التنوع والاختلاف في الولاءات والقناعات حالة ايجابية تثري الحياة، وتشجع الناس على التفاهم والحوارات وتنمية المعارف وتوسيع دائرة العلاقات الانسانية، بحيث لا تستطيع ان تفرق بينهم الا من خلال تميزهم في العمل والكفاءة، فلا فرق بين ابيض او اسود ولا مسلم ولا مسيحي ولا يهودي، فهم يتفقون جميعهم على العيش المشترك ووحدة الهدف وقاعدة الاحترام. ويرفضون التمييز ويعتبرونه حالة شاذة وانحراف عن العلاقة السوية.

اذا لا بد من القول بأن هناك أهداف سياسية هي التي تخلق هذه المشاكل، عند الظروف التي تواجه هذه الحكومات وعند الازمات والتحديات لتبرر مسؤوليتها.

خلاصة: نقول ان الشعور بالوطن والوطنية هو شعور ينمو في الانسان من خلال ايطار الحقوق والواجبات والتي تكفلها تلك السياسات الحكيمة والعادلة وليس من خلال سياسات التمييز والقهر والحرمان وسياسات الاستبداد والتي تمزق المجتمع وتحاسب الناس على ولاءاتهم بدل من التأكيد على انتمائهم وتفاعلهم وكفاءاتهم ودورهم ومشاركتهم.

ولذلك ان هذا الاتهام للمواطنين بالولاء للخارج هي قضية سياسية تهدف الى خلط الاوراق والمفاهيم، وتزييف للحقائق، ويراد منه نقل المشكلات والازمات الاساسية في البلاد وتصديرها للخارج، وكان الاجدر هو تصحيح السياسات والتأكيد على الانتماءات وتبني خيار الوطنية على اسس سليمة ومقومات حقيقية قائمة على اساس الاحترام والعيش المشترك والشراكة الحقيقية في الوطن، فالمطلوب في النهاية هو التعايش والسعي لتحقيق الرفاهية والانجازات التي تليق بكرامة الانسان.

معايير الكرامة الانسانية وتحقيق المواطنة:

اولا - الحرية الدينة والمعتقد:

فهذه قضية اساسية وحضارية، فلا أحد في الحياة كفرد او جماعات وطوائف تعيش بلا دين ومعتقد، من هنا اتفقت الشرائع السماوية والحياتية من الدساتير والقوانين على احترام هذه الخصوصية، في كل بلد، فلا يجوز المساس او التهاون بهذا المبدأ، وبناءا على ذلك من حق كل انسان ان يمارس حريته في التعبير عن هذه العقيدة، دون الحاق الضرر بالأخرين، فهذا مقتضى الحرية، أما الحكم على ذلك من حيث الصحة والفساد ليس له مدخليه وامر ذلك الى رب العباد الذي يحكم على الناس بما اختلفوا فيه، وهذه الحقيقة واضحة المعالم حتى في سيرة الانبياء والرسل، أما محاربة الكفار والمشركين ابان الدعوة الاسلامية وتكسير الاصنام كان الهدف منه تبليغ الاسلام بعد الفتور الطويل من بعثة الرسل، وكذلك التأكيد على كرامة الانسان، وحينما صدع الرسول بالرسالة وتمت الكلمة لم يتعرض احد الى الغزو، بل كانت راية السلام هي المرفوعة، وفي الحقيقة كانت هذه الحروب والغزوات هي الدفاع ونصرة المستضعفين في الارض، الذي لا يستطيعون مواجهة أقوامهم او نقد عقائدهم على ما عليها من الضلال، فكانت الحكمة والمصلحة الواجب هو انقاذهم وتحريرهم وهدايتهم من الظلمات الى النور، أما المبدأ العام والاصل هو احترام عقيد الانسان وعدم التعرض لأحد يقول تعالى «لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» ويقول «فذكر انما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر»، ويؤكد على الرسول ودعوته بالالتزام بهذا المبدأ «﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِق45.

اذا الاسلام يؤكد على هذا المبدأ ويعتبره من أهم الحقوق التي يجب المحافظة عليها، من هنا شرع الجهاد ضد أعداء الامة من أجل حفظ والدفاع عن بيضة الاسلام، ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَالتوبة24، وهذه الآية كما اشار اليها المفسرون تعني بالجهاد الدفاعي وليس الجهاد الابتدائي، ليصبح الجهاد عينا على كل الناس، وهذه الحكمة من مشروعية الجهاد والدفاع تقتضي احترام عقائد وطوائف المسلمين، مهما كان بينهم من اختلاف للعلة نفسها والا تعرض بعض المسلمين وطوائفهم الى الخطر نفسه، بل قد يكون الخطر الذي يأتي من داخل الدائرة الاسلامية اعظم واشد، وذلك لاجتماع المسلمين والامة على عدوهم الخارجي من الكفار وغيرهم، بينما الصراع بين المسلمين انقسم مآله اضعاف الامة وتشتيت قواها والطعن في هويتها ومصداقيتها وهو ما حذر منه القرآن ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَالأنفال46، نعم ان الاختلاف بين طوائف المسلمين واجتهاداتهم يقتضي بالضرورة الحوار والحكمة للوصول الى الحقيقة ورفع الاختلاف والالتباس، والمحافظة على جمع الكلمة والوحدة الاسلامية لتنهض بمسؤوليتها، وهذه الغايات كما ترى هي من أعظم الواجبات وهي اولى ومقدمة لجهاد العدو، والا حلت الكارثة بهذه الامة واستضعفت نفسها، فتتكالب عليها الامم الاخرى، وهذا هو ما حصل بالفعل، بسبب التفرقة وسياسات الطائفية التي تشهدها الامة في اغلب بلادها فما هي النتيجة؟ اذا هذه المخاطر تقوض كل المبررات والشعارات والاساليب التي تنتهك الحرمات والاعراض وتتعرض الى الممتلكات وكل الاساليب الارهاب من قتل وتشريد وتهديد وسجون ضد الناس باسم الدين والقاء التهم والحكم على الناس المسلمين بالتكفير والضلال. لأن تكفير الناس واتهامهم والطعن في نواياهم من اكبر الذنوب والمعاصي والانحرافات ففي الحديث «من كفر مسلما فقد كفر». وآخر «للمسلم للمسلم حرام دمه وعرضه وماله».

اذا القاعدة الصحيحة لتحقيق التعايش والوحدة الوطنية هو الاحترام والالتزام بالقوانين الحضارية والانسانية مع البشر، ومع المسلمين بشكل خاص للتأكيد عليه ضمن الحقوق والواجبات الاسلامية. في القرآن والنصوص.

سنة الاختلاف في الحياة:

وهنا مسألة توضيحية بان الاختلاف بين الناس في كثير من الامور خصوصا في المعتقدات والآراء والاجتهادات تعتبر مسألة طبيعية وسنة حياتية تقتضيها المصلحة والحكمة الربانية من فلسفة الخلق والحياة وهي الابتلاء والصبر على الناس وكذلك المسؤولية والسعي والحرص على الهداية، وليس الاقصاء وفرض الرأي بالقوة، فالرسول ﷺ انما بعث رحمة للعالمين، وهذه الرحمة تقتضي الرفق واللين والسماحة يقول تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَالأنبياء107 ويقول ايضا ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَآل عمران159، ويؤكد القرآن على النهج السوي في الدعوة والتبليغ الهداية ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَالنحل125 هذا مع الاديان المختلفة عن الاسلام، فكيف بأهل الملة والطوائف الاسلامية، تكون من باب أولى ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌالتوبة128، وهي اشارة بان مهمة الرسول ﷺ هي الاقتصار على التبليغ والقاء الحجة ليس أكثر، فكيف بغيره يقول تعالى ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُالشورى48 ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاًالنساء80 ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍالأنعام107، اذا من الطبيعي أي يسود هذا الاختلاف لأنه يعبر عن سنة في الحياة لاختلاف مدارك الناس وما يحيط بهم من تأثيرات وعوامل مختلفة تاريخية ووراثية واجتماعية وميولات واهواء، يقول تعالى﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَهود118، لكن المسالة الضرورية والهامة كيف نواجه هذا الاختلاف دون الحاق الضرر بالناس واهانتهم والحط من قدرهم والنيل من كرامتهم، ذلك يكون من الصبر والحكمة والاخلاق الفاضلة، يقول تعالى ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراًالفرقان20

خلاصة ان سيرة الرسول ﷺ الاكرم في الدعوة ومواجهة الخصوم كانت قمة في التعامل والاخلاق، وهي دروس للعبرة والتأمل وتحقيق الانتصارات والانجازات على كل الصعد، فلنتأمل ونعتبر.

ثانيا: ترسيخ مبادئ العدل والمساواة:

فيجب محاربة سياسات التمييز بمختلف اشكاله، والتفرقة بين الناس على اسس باطلة، والحكمة تقول «الحكم يدوم مع الكفر ولا يدوم مع الظلم»، «والعدل اساس الحكم»، ولذلك فان من أهم وظائف الدولة والحكومة هو ترسيخ قاعدة العدل لتحقيق الامان والمساواة والاستقرار النفسي والاجتماعي، والسياسة والوطنية الصحيحة هي التي تبرز عناصر قوتها من خلال تحقيق النظام العادل الذي لا يبخس أحدا وخلق التنافس الايجابي، ولذلك نقول ايضا ان سياسات الحرمان والتهميش من عوامل ضعف الوحدة الوطنية، فالشعور بالغبن هو شعور ضد الكرامة وعندها لا يبقى شيء يمكن التعويض عنه. يقول الامام علي «القوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف عندي قوي حتى آخذ الحق له»، فلا اعتبار لمفهوم الاكثرية او الاقلية ولا المحاصصة، اذا كان ذلك يتعارض مع مبدأ العدل والمساواة.

والسؤال كيف يمكن قيام النظام العادل مع عدم وجود الاستقلال في السلطات التي تضمن حقوق الناس والجميع «أي وجود السلطات الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية»، وكذلك حرية الراي والنقد والمعارضة؟

ثالثا - المشاركة السياسية «شركاء في الوطن».

ان الدول الديمقراطية قائمة على اساس المشاركة السياسية والتداول للسلطة حسب الانظمة والدساتير والقوانين، ولذلك من الصعب لجهة او حزب او فئة وطائفة التفرد بالحكم والتصرف بلا حساب وقيود. وبذلك يضمن المواطنون في الغالب حقوقهم. أما في الانظمة المستبدة فان الحكم بيد القوة المسيطرة «أي من جاء بالقوة»، ويستمر هذا الحكم ما شاء له من الزمان والسنين، اذا لم يعترض طريقه شيء.

فيصبح هو المهيمن على النظام العام للبلاد، يديره حسب ما شاء وليس لأحد الحق ان يعترض او يتدخل، وتصبح العلاقة القائمة بينه وبين الناس والشعب هي علاقة الحاكم والمحكوم، وليس علاقة الراعي بالرعية. فلا دور للانسان والمجتمع في عجلة الحياة والبناء سوى الخضوع والطاعة، والاستسلام للقدر.

ان الانظمة السلطية هي انظمة فاسدة وباطلة في الاساس لأنها لا تعبر عن رأي الناس وليست منتخبة فهي ايضا غير مرضية ولا تحظى بالقبول، وان سكوت الناس لا يدل بالضرورة على ذلك خصوصا حينما تواجه القمع والحديد والارهاب والتنكيل، ونتيجة لذلك ينعدم الشعور بالامن الحقيقي والاستقرار وتضعف فيه مشاعر الروح الوطنية والاحساس بالكرامة، ولتعويض ذلك تقوم هذه الحكومات عادة بالاهتمام بالشعارات والعنوانين البراقة لتسود الجدران واللافتات في كل مكان، وتعتمد على تزييف الحقائق والتدليس على الناس.

ان بناء الاوطان لا يمكن ان يشيد من خلال سياسات الاقصاء وفرض القوة، بل على التأكيد والثقة بدور الانسان والمواطن ودوره في عجلة البناء اولا، والمشاركة في صنع القرار السياسي ورسم الواقع والتخطيط للمستقبل.

فيجب أن يشعر المواطنون بأنهم شركاء في الوطن، ومصيرهم واحد، والنظام الحاكم يجب ان يكوم منتخبا يعبر عن ارادتهم وممثلا شرعيا، فالملك لله سبحانه وليس لأحد، والناس مستخلفون على ذلك، فالحكم أمانة عظيمة لا يمكن ان ينهض به الا من توفرت فيه مقومات والمؤهلات، وان الطريق والسبيل الى ذلك هو انتخاب الناس بعد معرفتهم بذلك، ومن أهم هذه الخصائص هي الامانة والخوف من الله سبحانه، والكفاءة. أما سياسة الطغيان والتجبر والاستبداد والوصاية على الناس لا تنتج سوى الظلم والفساد وتجر الى المهالك. وقد اشار القرآن الى ذلك ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَالبقرة205، ويشير القرآن الى منطق فرعون وما يتبناه من سياسات استبدادية ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِغافر29﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَالزخرف51.

خلاصة، ان الشعور بالوطنية والاحساس بقيمة الوطن انما هو نتيجة الشعور بالانتماء والمشاركة الفعلية في البناء وليس بالاملاءات والشعارات او بفرض الانظمة والقرارات والمناهج والدراسات، فذلك لا يمكن ان يساهم في معالجة السلبيات والمشاكل بسبب سياسات الاقصاء وفرض سياسة الامر الواقع.

رابعا: الكرامة في العيش وتحقيق التقدم

تحقيق الامن الاجتماعي وسبل الحياة من العيش والغذاء والمأوى وفرص العمل من أهم المطالب الاساسية لتحقيق السعادة، ومن دون ذلك تتعرض حياة الانسان الى المتاعب والصدمات النفسية والانحرافات الاخلاقية والسير في المتاهات التي لا يحمد عقباها. وهذا أمر في غاية الخطورة على الانسان والمجتمع والحياة البشرية.

والمشكلة والبلوى في العصر الحاضر وفي العالم هي ليس عدم وجود موارد تكفي البشرية وتلبي حاجاتها، انما وجود احتكار لهذه الموارد من قبل أقليات وسياسات وحكومات متنفذة تسيطر على كل ثروات العالم وبسبب ذلك تجد الفقر والبطالة والفساد، وبسبب حالة الجشع والترف والطمع وتحقيق هذه المصالح تنشأ الحروب وطرق الاستعمار والاستغلال، وتحدث الكوارث هنا وهناك. فيعيش الغالبية من الناس في العالم ويعدون بالملايين على خط وتحت الفقر، ويفتقدون الى ابسط مقومات الحياة والعيش، بينما نجد فئة قليلة تنعم بهذه الثروات بلا قيود وحدود من الفساد والترف والتبذير والاسراف، وكأن هذه الثروات حق لهم وحكرا على غيرهم.

وفي ظل هذه الظلم والاجحاف بحق البشرية، نجد المشاكل في العالم تتفاقم والازمات تتوالى، مما ينذر بمخاطر وكوارث على كل الصعد الانسانية والاجتماعية والاخلاقية والحضارية تزيد من المتاعب والصعوبات في حلها. ونتيجة الى ذلك نجد حتى تلك الدول المتقدمة تعاني ما تعانيه من هذه الازمات بالرغم من التقدم والتطور في كثير من المجالات والانجازات.

ولاكن تبقى هذه المشكلة تتعمق كثيرا في المجتمعات النامية والمتخلفة بشكل واضح ليس فقط بسبب هذا الظلم والاجحاف وسوء توزيع الثروة الهائلة، وانما ايضا بسبب تلك السياسات المتخبطة في كل الشؤون والجوانب، حيث تنعدم فيها افاق التنمية والتقدم والتطور، بالرغم من وجود الثروات الطائلة التي تكفي العالم كله وتسد كل احتياجاته، وتلبي متطلباته، لكن عاجزة ومشلولة عن تقديم أي انجاز واختراع او صناعة حتى ابرة. كما انها تعاني في نفس الوقت من مشكلة الفقر والبطالة ومعدلات الجريمة التي تفوق حتى تلك الدول التي لا تلتزم بدين ولا شريعة؟

في مقابل هذه الاوضاع المزرية والتخلف والمعاناة الانسانية والاجتماعية نجد على الضفة الاخرى فئة حاكمة تستأثر بكل شيء وتستبيح كل الحقوق وتبدد الثروات وتتمعن في اذلال المواطنين دون محاسبة ورادع؟

وهذا هو الفارق بين تلك الدول الديمقراطية التي تراعي المصالح وتضمن حق النقد والمعارضة والمحاسبة واحترام القانون، مما يجعلها دائما تحت الرقابة والمسؤولية، دون استثناء لأحد حتى الرئيس، مما يقلص فرص الاستغلال والفساد والنهب للثروات. كما ان عامل تداول السلطة يضمن هو الاخر عدم الاستمرار في الانحراف والاستبداد، بينما هذه الضمانات معدومة كاملة في مجتمعاتنا وفي ظل حكوماتنا، فليس لأحد الحق في المساءلة والمطالة بل حتى الاستفسار، لأن ذلك يعد خرقا للنظام السائد وجرأة ما بعها جرأة، وبتعبير آخر ان الحكومات في مجتمعاتنا هي لها الحق المطلق في الحكم والتصرف وهي كذلك ابخص من كل المواطنين على مصلحة البلاد وتحقيق كرامة الانسان؟

نتيجة لذلك ترى تلك الهوة الساحقة والفوارق العظيمة بين حياة الحكام وليس الحكومات، «لأن الحكومات ما هي الا جهاز ينفذ الاوامر ويطبق القوانين، فليس لها امتياز على الاخرين»، وبين حياة المواطنين والشعب، ومن ابرز هذه الفوارق الظاهرة والسطحية حينما تتصور كيفية ونمط العيش والحياة، والاموال والثروات التي تملك بغير وجه حق ومشروع، وهذا التصور قد يكون ليس له حدود حينما تعرف بأن رأس مال الحاكم ورصيده هو ارفع من ميزانيات دول غنية في العالم، ومن الطبيعي ان تجدهم على رأس اكبر الاغنياء في العالم ايضا. ونحن نتساءل من أين لك هذا؟

فهل هذه المظاهر والفوارق بين الحاكم والمحكومين والراعي والرعية تعكس حقيقة الولاء والحب للوطن والحرص على امنه ومستقبله، أم أنه مصداق لقوله تعالى ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَالنمل34 وقوله﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراًالإسراء16، وقوله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَهود117،

ومن الطبيعي في ظل هذه السياسات الحاكمة يعيش الانسان والمجتمعات البؤس والتذمر وانعدام الثقة وانسداد آفاق التغيير والاصلاح وغياب الطموحات والآمال، وهذا ما يفسر رؤية البعض على التشجيع للهروب من الواقع والهجرة للخارج، من اجل تأمين الحياة وتحقيق الذات، مصداق للحديث «الجوع في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن»، وكم رأينا واجتمعنا مع اناس يفضلون العيش في الخارج وبالخصوص في الدول الغربية وامريكا عل أوطانهم الاصيلة؟

وهذا حق مشروع ومكفول، بل هو واجب حينما يشعر الانسان بالغربة في طنه، فلا يجد له مأوى ولا وظيفة ولا فرص للتعبير عن حقه فماذا يعمل، هل من الصيح ان يعيش الذل والهوان، ام يسعى من اجل الكرامة التي منحها الله اياه كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاًالإسراء70،

فقيمة الكرامة هي حق الهي قبل ان تكون قيمة وحق انساني، وان انتقاص هذه الكرامة لا يجوز بحال، فمن المطلوب من الانسان أن يكافح من اجل صيانتها والحفاظ عليها بأي ثمن، والا سوف يحاسب أمام الله سبحانه وتعالى، وهذا ما يؤكد عليه الدين والشرع، ففي الحديث «ان الله رخص للمؤمن في كل شيء الا أن يذل نفسه». فكل ما يتسبب في انتقاص هذه الكرامة مرفوض شرعا وعقلا واخلاقا. ويقول الامام علي «الحياة في موتكم قاهرين، والموت في حياتكم مقهورين»، فلا يتجمع الايمان الصادق مع الذل، كما لا تجتمع الفضيلة مع الرذيلة، ولذلك فان الذل في الحياة هي الموت الحقيقي، وكما قال الامام علي في خطبة له في نهج البلاغة " فذلك ميت الاحياء".

من هنا جاء التأكيد القرآني على الحث الشديد لتحقيق هذه الكرامة، وان لا يبقى اسيرا مكبلا، خصوصا حينما تنعد الفرص والحلول وافاق التغيير، ولذلك شرعت الهجرة او التغرب عن الاوطان في سبيل ذلك ومن اجل كل سبب يعزز كرامة الانسان ويؤمن مستقبله يقول تعالى﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماًالنساء100،

وأمام هذا الاجر العظيم والمصير الذي كتبه الله له لماذا يقبل بالذل ويصر على البقاء حيث لا بقاء في الدنيا، وهذه النظرة الاسلامية تعكس بوضوح أهمية وقيمة حياة الانسان وكرامته في الحياة. من أجل ان يبذل هذا الانسان ما بوسعه لتحقيق هذا الهدف السامي سواء على الارض والوطن الذي يقبع فيه أم من خلال الهجرة والجهاد في الخارج لتحقيق النصر انشاء الله.

خلاصة: هذه بعض المعايير، والتي تعكس بدورها حقيقة تلك الشعارات عن الولاء والانتماء للوطن عبر وسائل الاعلام المختلفة من الصحف والمجالات والقنوات وهي تهدف الى تشويه وتحريف هذه الحقيقة، بينما هي على صعيد الواقع تعمل وتكرس عكس ذلك، والأدهى والأمر انها في سبيل تحقيق مصالحها تقوم باستغلال الدين وشرعنه هذه المفاهيم والشعارات الفارغة من المضمون والمحتوى لتصبح سياجا ضد أي نقد واصلاح وتغيير، والطعن في الناس الشرفاء وعلى اساس ذلك يكون المعيار بين ما هو مواطن صالح وبين ما هو خائن، دون النظر الى واقع.

سيهات