آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

الإمام، قدوة للإنسان

حسين إسماعيل *

الإمامة في اللغة تأتي بمعنى القيادة. والإمام هو من يكون قدوة يؤتم به. وأحد الأمثلة على ذلك الآية القرآنية في سورة الإسراء: ﴿يوم ندعو كل ناس بإمامهم - آية 71، حيث ذهب المفسرون للقول بأن الإمام هنا جاء بمعنى القائد. واصطلاحاً «عند الشيعة» فالإمامة رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي [1] ، كما عرّفها الشيخ المفيد. اعتمد العلماء على النصوص القرآنية للاستدلال على ذلك، فمثلاً يقول الله عز وجل مخاطباً نبيّه إبراهيم : ﴿إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين - البقرة 124. السيد الطباطبائي استدل بهذه الآية في تفسيره“الميزان”ليستنتج أن مرتبة الإمامة وُهبت لنبي الله بعد أن اجتاز الابتلاءات والامتحانات الدنيوية، فاستحق على ذلك أن يكون إماماً بالإضافة لكونه نبياً، وأصبح بذلك قائداً في أمور الدين والدنيا. الدكتور علي شريعتي في كتابه“الأمة والإمامة”ذهب لتفسير مقارب، حيث بيّن أن الإمامة مرتبة يهبها الله لمن اختصهم، وسواء أقر الناس بإمامة الإمام أو لم يقرّوا فلن يغيّروا من حقيقتها، إذ أنها تكليف إلهي منفصل عن شورى الناس أو انتخابهم.

ولكون الإمامة محوراً رئيسياً في الفكر الشيعي، فقد دأب العلماء على بحث صفات الإمام وما له وما عليه، فهناك من قال أن عصمة الإمام مطلقة كالشيخ الصدوق [3] ، وهناك من قال أنها عصمة دينية كالشيخ المفيد [4] . وهناك من بحث قضايا أخرى كالولاية التكوينية أو علم الإمام. أغلب البحوث تتمحور حول كون الإمامة منصباً لا يكون إلا بيد من اختاره الله لذلك، ولأنها دينية ودنيوية فلا بدّ أن يكون الإمام مستوفياً للصفات الكمالية التي تؤهله لقيادة الناس في دينهم ودنياهم. السؤال الذي أطرحه هنا: هل عرفنا الإمام دنيوياً؟

للوهلة الأولى قد يبدو السؤال سخيفاً، فأغلب من يحضر المجالس الحسينية سيتمكن من ذكر تاريخ ميلاد الإمام ووفاته ومحل دفنه، وقد يذكر كرامة أو اثنتين من حياته. هذا الجواب بالضبط هو جواب الخطاب المنبر التقليدي، ذات الخطاب الذي فصل إنسانية الإمام عن ذاته، وهو ذات الخطاب الذي كرّس صورة عن كون الإمام نوراً أتى لعالم الدنيا بعد أن حملت أمّه حملاً لم تظهر آثاره ولم يُشعرها بتعب ولا كلل، وحفّته الملائكة والحور العين لحظة ولادته التي أشرقت بها أنواره للدنيا. هو أيضاً ذات الخطاب الذي لا يذكر الإمام مجدداً إلا حين وفاته، ويكرر الأسطوانة ذاتها حين يقول عن الأئمة الذين قضوا بالسم أنهم أسبلوا أيديهم ورجليهم وأغمضوا عينيهم وأشرقت أنوارهم حين فاضت روحهم الطاهرة. وتجاهل الخطاب الحسيني التقليدي حياة الإمام وسيرته ما بين حياته ووفاته!

أوليس هذا إجحافاً بحق الأئمة ؟ أوليس تجاهل حياتهم الاجتماعية والسياسية ظلماً لهذا المنصب العظيم؟ لماذا يتجاهل الخطاب التقليدي طرح آراء الإمام الرضا السياسية حين كان ولياً للعهد في زمن المأمون؟ ولماذا لا يتم ذكر ما حدث بين الإمام الحسين وابن عباس في مسألة الرحيل للكوفة أو اليمن؟ ولم يتم تجاهل حياة الإمام الصادق وهو الذي قد بيّن الأسس الفقهية والاجتماعية للفكر الإمامي عموماً؟ وكيف تغيّب وصايا الإمام الكاظم لعلي بن يقطين الذي كان وزيراً في عهد هارون الرشيد؟ [5]  [6] 

لا بدّ من إعادة صياغة الخطاب الحسيني للتعريف بالإمام وسيرته وفكره بشمولية، ففصل الإمامة الحسينية عن شخصية الإمام الدنيوية شكّل حاجزاً وهمياً بين جوانب الحياة المختلفة والإمامة. فحين نقول أن الله نصّب الإمام ليقود الناس في دينهم ودنياهم ثم نتجاهل حياته الفكرية والاجتماعية والسياسية لنركّز على المناقب والكمالات الدينية فقد ظلمناه حقه. فقط بدراسة الإمام بشمولية يمكن أن نقول أننا أخذنا الخطوة الأولى نحو الاقتداء به في حياتنا اقتداءً حقيقياً.

[1]  النكت الاعتقادية للشيخ المفيد

[2]  الأمة والإمامة لعلي شريعتي

[3]  الاعتقادات في دين الإمامية للشيخ الصدوق

[4]  أوائل المقالات للشيخ المفيد

[5]  Shi’ism by Heinz Halm

[6]  An Introduction to Shi’i Islam by Moojan Momen
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
هيثم أحمد..
[ القطيف.. ]: 12 / 6 / 2014م - 11:43 ص
هناك قضايا اختلافية تاريخية، حتى في تواريخ الولادة و الاستشهاد..
لذلك يبتعد الاغلب عن الخوض في هذه الاشكالات.. لكي لا يتم تسقيطه..
و الباحثون عن الحقيقة و التأريخ قليلون..جداً!

دعوتك جميلة للبحث في التاريخ..
و لكن هل من مستمع يعي بأن المنبر يحتاج لهكذا تجديد!؟

مقال تُشكر عليه..
2
أبو محمد
[ القطيف ]: 15 / 6 / 2014م - 11:51 م
المسألة تتعلق بأحوال والأجواء المعيشية للمنطقة وبالذات شيعة الخليج .. فلا يتصور الا العموميات والأشياء التي تتمحور عليها الإمامة من مكانة وشأن التعلق بها بأسلوب يجذب الغالبية في حينها .. هذا المنظور وصل لنا ولم نستطع تقديم البديل الأفضل بالعكس ما نراه الآن من رواد يد وخطباء أشبه ما يكون ما عليه غيرنا ..!!