آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 11:21 م

الموت نهاية ام بداية؟

حسين رمضان آل قريش

انتقل إلى رحمة الله ورضوانه ظهر يوم الجمعة الثالث والعشرون من شهر رجب، سماحة الشيخ عبد الحسن بن احمد منصور الحمود عن عمر ناهز الخمسون عاماً، بعد 11 عام من الحادث الذي تسبب في فقد ابنه الصغير“علي”في طريق الملك عبدالعزيز بالقرب من مصنع الهاجري للثلج، وعلى آثرها فقد سماحة الشيخ الذاكرة من شدة الحادث.

وقد ودعت سيهات سماحة الشيخ وشيعته يوم الجمعة، كما أقامت عائلته مجلس تأبيني حضره عدد قليل من المشايخ، وقد أقيم له أيضا في دولة تنزانيا مجلس تأبيني وفي ليلة الجمعة الثلاثون من رجب أقام المشايخ وفاء وعرفانا لجهود هذا الشيخ وأعماله التي عكست شخصيته التي لم يعرفها الا القريبون منه رحمه الله. إن الإنجازات التي حققها الشيخ في رحلته الى افريقيا لم يطّلع عليها الا رفاق دربه من المشايخ الذين شاركوه في العمل على بناء جيل متعلم واع وقد أثمرت تلك الجهود لخلق ذلك الجيل الملتزم المثقف وقد شاهدنا بعض تلامذته في حفل التأبين الذي أقيم في مدينة عروشا.

إن السبب الذي دفعني للكتابة عن هذا الموضوع عن سماحة الشيخ المغمور، مسألتان: - الاولى موقف مجتمعنا من تقدير رموزه وكفاءاته العلمية والثقافية في حياتهم وبعد رحيلهم من الدنيا إنها خاضعة الى معادلة السمعة الظاهرية وليست خاضعة الى معرفة الحقيقة وحجم الإنجاز الذي بذله الشخص المبدع المتفاني المضحي لمجتمعه ووطنه!

وأكثر من ذلك إنجذاب المجتمع في الاحترام والتقدير الى الشخص المنتمي لأسرة معروفة حتى لو لم يقدم شيئاً لمجتمعه! يبرز هذا في حجم المشاركة في تشييع من يرحل عنا الى ربه وحجم المشاركة في مراسم العزاء للفقيد الراحل.

أما اذا كان الراحل من طائفة رجال العلم وطلبة العلوم الدينية تكون الصورة أوضح بأن أهل هذا الصنف لا يعرف بعضهم بعضا حتى المنتمين الى مدارس وتوجهات، وفقيدنا الراحل الشيخ عبد الحسن أحمد منصور الحمود جرت عليه القاعدة من التجاهل والغفلة من اهل صنفه، حيث بقي تحت الملاحظة بعد الحادث الذي تعرض له قرابة عشر سنين لم يزوره ويسأل عن أحواله وأحوال أسرته الا عدد محدود جداً من طلاب العلوم الدينية.

اما بعد رحيله من الدنيا تأكدت تلك المعادلة المؤلمة من عدم مشاركة المشايخ في التشييع والتواجد للعزاء هذا ما شعرت به أسرة الفقيد وتألمت لذلك،

أما المسألة الثانية التي اود التعليق عليها ما أثار دهشتي حديث احد الخطباء بأن الله يختار من عباده الصلحاء والأتقياء فيأخذهم اليه ويترك غيرهم يمدهم في طغيانهم يعمهون ثم يقول الخطيب إن رجال الدين هم من أولائك،

واعتقد ان فلسفة الموت ليس لها دخل بذلك، فكل الناس يموتون حتى الأنبياء لا يبقون، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ويفنى كل شيء، وكل شيء هالك إلا وجهه سبحانه وتعالى، وما من مخلوق على وجه الأرض أشرف وأكرم عند الخالق سبحانه من رسول البشرية محمد ﷺ، أنه لم يستثنى من هذه القاعدة الحتمية على العباد، والموت حق على كل البشر سواء آمنوا بالله أم لم يؤمنوا، ولم يتجرأ أحد من الخلق على إنكار الموت لأنهم يرونه حقيقة ماثلة أمامهم في كل لحظة، رغم إنكار بعض الخلائق من الجن والإنسان معنى الموت، فمنهم من يؤمن بالبعث والحياة الخالدة بعد محطة الفناء من دار الدنيا، ومنهم لا يؤمن بالدار الآخرة وينكر تفاصيلها، لكن الجميع يذعن ويستسلم للموت بلا مقدمات، فسبحان الذي قهر عباده بالموت والفناء. وقد عانت البشرية من فكرة الموت وانتهاء الحياة، فالذين آمنوا بالله خالق الموت والحياة حسموا أمرهم وانتهت جدلية فلسفة الموت في عقولهم، أما غيرهم من الذين يعتقدون بأن الخوف من الموت والنفور منه هو أحدى العلل الدافعة نحو تكوين الفلسفة المتشائمة، يتصورون الحياة بلا هدف وهي خالية من الفائدة ومفتقرة إلى الحكمة، فكانت حياتهم مضطربة ومشوشة.

أما العارفون بالله، الثابتون على الحق، الذين يؤمنون بأن الموت هو ليس نهاية الحياة وإنما هو بوابة للحياة الأبدية الخالدة، فإنهم لا يبالون أوقعوا على الموت أم وقع الموت عليهم، وأبلغ تعريف للموت ما أخبر عنه سيد الشهداء وهو مقدم عليه في ليلة العاشر من المحرم 61سنة من الهجرة كان تحت الحصار الذي فرضه عليه ”عبيد الله بن زياد“ والي الكوفة، وفي أثناء الليل، جلس مع أخته العقيلة زينب يصبرها ويثبت عزيمتها على عظم المصاب وقال: ”أوخي زينب إني رأيت جدي رسول الله ﷺ في المنام فقال لي: إنك تروح إلينا قريباً“، فاضطربت زينب وأدركت أن ذلك يعني أن الحسين قد حان أجله. فقالت: ”وحزناه ليت، الموت أعدمني الحياة“، واغرورقت عيناها بالدموع، فنظر إليها الحسين بعطف وشفقة فقال لها ”أوخي لا تحزني، ولا يذهبن بحلمك الشيطان“، قالت ”بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله، جعلت فداك نفسي، تنعى نفسك وتطلب مني الصبر“، قال لها "أخيّ تعزّي بعزاء الله، وأعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجه، الله الذي خلق الارض بقدرته، وبعث الخلق فيعودون إليه، جدي خير مني، أبي، خير مني، أمي خير مني. أخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة حسنة.