آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

قراءة في رواية الافاعي

حسين اليوسف *

هناك الكثير من المشاكل والازمات التي تواجه الجيل الناشئ الذي للتو يواجه الحياة، ويقابل تقلباتها، لعل أبرزها موجات التغيير المحلية والخارجية، وماينتج عنها من معطيات ونتائج. ولا نعني بذلك الفساد الأخلاقي كالعلاقات الجسدية المحرمة وتعاطي المخدرات والمسكرات وحسب. بل أن ثمة وضعاً يمكن أن نصنفه من معالم عصرنا الحديث، وهو الغلو والتطرف والتعصب لأسباب دينية، فهي - بكل أسف - من نتاج ومعالم واقعنا المعاصر وبات مشكلة تواجه شبابنا الحاضر.

في ظني تلك أهم نقطة ما بحثته رواية ”الافاعي“ لكاتبها الدكتو حسام الحبيب، وهو طبيب جراح أعصاب بشري من محافظة القطيف بالسعودية، لم يشأ أن يجعل أحداث الرواية أو بعض شخوصها من الواقع المحلي، لأنها يمكن أن تطبقه في أي مكان أو أي قطر في وطننا العربي أو عالمنا الاسلامي الكبيرين، فكل بلاد المسلين تواجه تحديات التخلف والتعصب والتفسخ.

من عنوان الرواية ”الأفاعي“ تعطي صورة إلى أن ثمة خطر، وربما أراد التأكيد أو الاشارة الى خطر لدعوة مواصفات الأفاعي، هي الثعابين الكبيرة، لعل أبرزها اللدغة الماكرة التي تتم من طرف خفي ومن حيث لا يعلم الطرف الملدوغ، وإن هذه اللدغة لا تكون سهلة بل سامة قاتلة، وقتلها يتم خاطفاً، واذا ما تمت عملية الانقاذ فإن ذلك بصعوبة بالغة، تقتضي الإسعاف السريع.

هذه الصورة التي تضمنها العنوان تشير بصورة حقيقة إلى هدف الرواية وهي التحذير من خطر، وهذا الخطر ينفذه طرف ما قد لا يأتي بصورة مباشرة بالضرورة. بل ربما يتم على حين غرّة، أو على حين غفلة، وفي الوقت نفسه قد يأتي هذا الخطر صريحاً بمواجهة مباشرة. وكلنا يعرف أن الأفعى لا صديق لها ولا يمكن ترويضهاالى حين. وهي تعلن المواجهة أمام البشر وغير البشر، وتنفث سمها في كل مكان عبر أنيابها. وهي كما تقتل من تخاتله تواجه أيضا من تراه ويراها، وبالصورة نفسها ”تلدغة وتهرب أو تلدغه وتبتلعه“.

من هنا، فالصورة التي تضمنها العنوان دقيقة للغاية، وأظن أن مؤلفنا وفق الى حد ما بهذا العنوان، إن كان هدفة التنوية إلى خطرين: خطر الموت المحتم الناتج عن لدغة الأفعى، أو الموت المحتم أيضاً لكونه أسرع نتيجة لدغ وإبتلاع الأفعى التي لا ترحم. فهي إن تعاملت مع القوي لدغته وهربت وجعلته أسير سمومها، وإن تعاملت مع من هو أضعف منها إبتلعته ونفذت عليه فالأقوياء يواجهون سموم الأفاعي والضعفاء يواجهون بطون الأفاعي، وعلى كلا الحالتين الأفاعي خطر علينا سواء صرنا أُقوياء أم صرنا ضعفاء. الأفاعي التي يريد المؤلف الإشارة إليها والتحذير من خطرها لا تعرف قوياً أم ضعيفاً ولا تأبه بضحاياها، ولا تمارس دورها بصورة واضحة دائماً، ولا تعيش بمفردها غالباً، بل على معاناة وضعف الضعفاء فما تلكم الأفاعي يا ترى.؟

الأفاعي التي يتحدث عنها الحبيب هي الإرهاب والتفسخ الخلقي والتعصب المذهبي والظلم بشتى أنواعه، سواء ظلم الذات للذات أو ظلم الذات للآخر..، فهل تنطبق عليها هذه الحالات والظوهر صفات الأفاعي من المكر والغدر وبث السموم.. الخ.

الرواية بالتالي هدفها كما قال المؤلف هي الدعوة للإعتراف بالأخطاء وإصلاحها لا تجاهلها، ولا يتم ذلك - حسب المؤلف - إلا من خلال كسر القمقم وإطلاق العقل للتفكير بغير حدود، والتحرر من العبودية..، أي أن الأفاعي قد تأتي من الذات وقد تأتي من الآخر، ولا يتم المواجهة إلا بالإعتراف بوجود عدد لا بأس به من الأفاعي.

لقد قسم المؤلف روايته إلى أجزاء وعناوين مختلفة، لكنها لم تفقد النسق الروائي، فهي متسلسلة متواصله مع بعضها، ففي الفصل الأول ”طلال“ يتحدث عن شخص - لم يذكر اسمه - يتنقل بين القنوات التلفزيونية - وما أكثرها - فرآها لا تخلو من صور مآسي وقتلى وجرحى ودماء ناجمة عن حرب أو عمليات تفجيرية انتحارية طالت مجمعات سكنية يروح ضحيتها أطفال ونساء ورجال أبرياء، أو صور تميل الى التفسخ الخلقي

تلك صورة ومقدمة - كما يبدو - لأحداث الرواية التي تتناول سيرة أربعة أصدقاء هم «محمد، خالد، أحمد، عبدالله» جاؤوا من بيئة واحدة وإن اختلفت أوضاعهم المادية وتوجهات عوائلهم الثقافية وتحديداً المذهبية الدينية، هؤلا الأصدقاء جمعتهم الصداقة والطفولة الطاهرة - حسب عنوان الفصل الثاني من الرواية - فالأول جاء من أسرة زراعية فأبوه فلّاح، والثاني أبوه صيّاد، بينما الثالث أبوه تاجر، وأبو الرابع موظف في شركة عملاقة، هؤلاء الأربعة ورثوا من آبائهم حب الإخلاص والتفاني فلم يمنعهم هذا التفاوت في المستوى المادي والثقافي أن يتعايشوا مع بعضهم، وأن يتداخلوا، بل إن الآباء أنفسهم كانوا يتعاملون مع أبناء جيرانهم بصورة إيجابية صالحة.

ابتدأت أحداث الرواية حينما يستعرض أحمد ابن الصياد الفقير إلى حادثة مقتل أخيه فتأثر نفسيا، وكان مقتله بسبب مشاركته في تظاهرة سياسية ضد الحكومة، تبنت الدعوة للعدالة ونبذ التمييز مما أدى لأن يكون أحمد منطوياً على ذاته، جراء تلك الحادثة. لكن أصدقاءه الثلاثة وبحكم أحلامهم وعلاقة الود التي بينهم لم يتركوا صاحبهم ولم يتخلوا عنه.

هؤلاء الأربعة قاموا بالسفر إلى إحدى الدول ذات الانفتاح الاجتماعي، البعيد عن مسميات الحلال والحرام، وهناك انغمسوا في ممارسة بعض السلوكيات المحرمة، وسكنوا في شقة وجلبوا لهم بعض المؤمسات ومتطلبات اللهو واللعب. هذا الانغماس كاد أن يقضي عليهم جميعاً، فقد نشبت فيما بينهم خلافات فلم يصح احدُ منهم إلا بعد وقوع حالة سرقة لهم ولجوازات سفرهم، فضلاً عن أموالهم فقد ”اجتمع الأصحاب غير مصدقين ما حدث، فقد كانوا سكارى يعبون من الغرام ما استطاعوا ولم يحافظوا على ممتلكاتهم، لقد جمعت الخادمة أم منصورجوازاتهم وأموالهم وهم سكارى.. ص35“، مما أضطرهم لأن يبلغوا الشرطة، ويتصلوا بالسفارة التي منحتهم جوازات سفر مؤقتة للعودة للبلاد.

لم ينته الأمر بهذه المشكلة، وإنما بعد أن عادوا إلى البلاد، أصيب أحدههم ”خالد“ بمرض السيلان، وهو مرض جنسي ينتج عن العلاقات المحرمة، ورغم شفائه من هذا المرض أصيب بنوبة اكتئاب حادة جعلته وحيداً أيضا، لم يجد من يقف معه ويخرجه من عزلته سوى مدرس تربية دينية، الذي أقنعه بأن ما يجري له هو بسبب المعصية، ولا بد من التوبة ولا تتم هذه التوبة - حسب المدرس - إلا بترك الدنيا، فصار هذا لشاب لا يولي اهتماماً بدراسته ولا بشكله ولا بمظهره، فكلها نعيم دنيا ينبغي التخلي عنها، كما أقنعه بأن الناس كلهم كفرة خصوصاً أولئك المخالفين له في المذهب، إذ يقول هذا المدرس: ”أنتم المؤمنون الذي ادخرهم الله لنصرة دينه ومحاربة الكفرة“ «ص24» وحينما سأله خالد عن أولئك الكفرة المخالفين طريق الحق، قال له: ”من كان على مذهبكم ولكنه غيى ملتزم بحدود الله، كحالق اللحية وسامع المنكر، فهو فاسق يجب ردعه بالقول فإن لم يرتدع فباليد، وإن أصّر على الفسق فهو كافر، والقسم الثاني: من كان مخالفاً على مذهبكم فهم أهل بدعة وضلالة، ويحب قتالهم والتضييق عليهم حتى يهتدوا وهم أخطر عليكم من اليهود والنصارى والقسم الثالث هم اليهود والنصارى ويجب طردهم من بلادكم ولا يكمل إيمان أحدكم إلا بالجهاد الأكبر وهو ذروة الايمان“ «ص34

لقد تطور الأمر لدى خالد فصار على عداء مع الناس، حتى مع والديه إذ قام بوضعهما ضمن دائرة الفاسقين، فكانت النتيجة أن تورط في عملية انتحارية ضد محل لتأجير الأفلام، ثم اختفى ولم يعرف أحدٌ عنه، وجاءت الشرطة تطلبه، فهذا لدغته أفعى التشدد الديني، ففهم الدين بشكل خاطئ وتدرج من عداء للدنيا كلها ابتدأها بنفسه، فصار مهملاً لمظهره ودراسته، ثم دخل في دوامة العداء لأهل الدنيا من حوله، أصدقاءه ووالديه ثم تورط في عملية انتحارية بعدها اختفى عن الأنظار.

أما الثلاثة الآخرون فقد حزنوا كثيراً على صديقهم، لكن هذا الحزن لم يمنعهم أن يتوجهوا لحياتهم، فالحياة لابد أن تستمر فقد أنهوا مراحلهم الدراسية، فأحدهم ”محمد“ التحق بكلية الطب فلم يقبل رغم ان معدله 99%، إذا أقحمته الكلية في خلافات مذهبية، فأضطر لأن يتوجه لدراسة الهندسة، أما الثاني فقد توجه للخارج لدارسة إدارة الأعمال بحكم أن والده تاجر، ليعمل بعد ذلك مع والده، أما الثالث أحمد فقد توجه لدراسة العلوم الدينية.

بهذه الصورة إنتهت قصة حياة الطفولة والمراهقة للأصدقاء الأربعة، فأحدهم صار إرهابياً واختفى والثاني صار مهندساً والثالث توجه لدراسة إدارة الأعمال، والرابع توجه للدراسة الدينية. وكل واحد بالطبع واجه نوعاً من الأفاعي والأخطار، وكل احد منهم صارت له مواقف ومواجهات وآليات خاصة للتعامل مع هذه الأفاعي.

أما ”محمد“ فقد توجه لدارسة الطب أولاً، فوجد نفسه أمام لجنة قبول تتحدث معه عن الصلاة والصيام والمذاهب وماشابه ذلك، وجميعها ليست ذات علاقة مع الدين، وكانت النتيجة عدم قبوله بكلية الطب، فأضطر لأن يتوجه لدراسة الهندسة، وأثناء دراسته لم ينج مع المعضلة الطائفية. ذات الأيدي والأرجل والألسن المختلفة. فيُفاجأ بأن أحد أقرب اصدقائه في الدراسة ”وائل“ يحذر منه ولا ينام حتى يتأكد من نومه، ولا يأكل معه خشية أن يضع له سماً، حتى جرى فيما بينهما حوار طويل انتهت فصوله بقول وائل ”يا أخي لك عليّ أنني لن أقبل فيك كلام سوء من دون أن أصارحك وأناقشك، فإن إختلفت معتقداتنا أو إتفقت فسنكمل أحباباً، كل له حريته، ولاحجر ولا إرهاب، فالناس ليسوا سواء ولا يجب أن يكونوا سواء“ ص60

الصورة هنا بالنسبة لمحمد واضحة، والأفعى التي واجهته ”طائفية“ بإمتياز، أدت إلى حالة شك بين زميلين في غرفة واحدة، إن لم تجمعهما الوطنية والدينية فهما مع كل الاختلافات بشر تجمع بينهما الإنسانية، إلا أن البعض يخضع إلى نوع معين من الإشاعات التي تزرع بذور الشك بين أبناء الدين والوطن واحد"

محمد نفسه بعد أن إنتهى من أفعى الثقافة الطائفية، إنتقل إلى رحلة تدريب صيفي نفذتها الشركة العملاقة التي يعمل بها والده، مع عدد من أصدقائه الأجانب الذي يعمل أبائهم في الشركة نفسها، وأشرف على تدريبه السيد «مور» وهو أجنبي يعمل في الشركة، وأولاده أيضاً أصدقاء ل «محمد» وفي تلك الرحلة تعرف على بنت تدعى «سماء» لم يكن يمنع أي شي من الاقتران بها سوى أنها من مذهب ديني مغاير ل «محمد»، وكان والدها قد وافق بزواج إختها حصة من شخص وافد يعمل حلاقاً، لكنه يرفض زواج سماء من مهندس ك محمد، رغم شهادة الجبميع بذكائه ومستواه العلمي، رغم أن هذا الوالد أيضاً غير ملتزم دينياً، وهو على علاقة غير شرعية مع عدد من خادمات المنازل. حتى يتم تشويه «محمد» تمت الشكوى عليه في الشرطة بأن يتحرش ب «سماء»، وتم سجنه بهذه التهمة ولم يخرج إلا بمجموعة وساطات، وكانت النهاية في هذا الموضوع أن حبيبته «سماء» إنتحرت، واتهموا أيضاً بقتلها..

لم تتوقف المشكلة الطائفية أمامه إلى هذا الحد، بل استمرت حتى بعد أن تخرج وحصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة، وكان الأمل أن يلتحق بالشركة التي يعمل بها والده، وأن السيد مور الذي كان معجباً به، وكان يعتمد عليه في فترات التدريب الصيفي أبلغه وأبلغ والده بأنه حاول ضم محمد للشركة قبل تخرجه، لكنه ”جوبه برفض عنيف، وأن هناك سياسة إقصاء بحق طائفتكم من خلال عدم توظيفهم وعدم تطوريهم“ «ص226» وقال أيضاً ”أنه خليط من الطائفية والمناطقية والحسد والشعور بالنقص عند الآخرين، وإنني أخجل من نفسي أني ما زلت أعمل في شركة طائفية تدار برعاع، ولكن هناك ظروفاً تجبرني على البقاء في منصبي“ ص228

تلك الطائفية لم تمنعه من أن يدخل مع زميله وصديق طفولته «عبدالله» فيما بعد في شراكة خاصة، ذلك بعد أحداث درامية تعرض لها عبدالله نفسه.

لقد بدأت تلك الأحداث حينما ذهب عبدالله للدارسة في بلاد الغرب، وهنالك تم إلزامه بأن يعيش مع أسرة كي يتعلم منها اللغة، فأصطدم ذات طبائع مختلفة، فتعرض لنوع من الإثارة الجنسية مصدرها فهمه الخاطئ لمجاملات الناس هناك، حتى ظن أنها دعوة إلى الفعل الجنسي، فقد ابتدأ بالميل الى بنت تدعى ”ماريا“ التي كانت تسعى للتعرف على ثقافة المجتمع العربي، بينما هو يسعى للاستمتاع بها جنسياً، معتقداً ”بأن كل امرأة هناك متاحة للمتعة والجنس مادامت غير محجبة «ص80» لكنه بعد عدة حوادث على هذا الصعيد فهم بأن“ الفتاة عندما تحادثه أو تبتسم له، لا يعني بالضرورة أنها معجبة به أو ترغب فيه" ص91

مع ذلك وفي غمرة ميله الى الجنس والى الفتيات هناك، تعرف على شخص عربي وهذا الشخص لم يمتهن سوى دخول الحانات والعمل على التعرف على الفتيات، من خلاله صار مدمناً على تعاطي المُسكر، حتى أنه كان يصبح فريسة لإحدى عصابات المخدرات، إذ أن مروجه السموم اقتادته وهو في حالة سكر إلى شقتها، لولا أن قام اصدقاؤوه بإنقاذه منها.

كان هذا الحدث أول ”غمزة“ لإعادة وعيه، وجاءت ”الغمزة“ الأخرى لإيقاظه حينما أُشيع خبر إصابة احد أصدقاء الحانة والسهرات بمرض نقص المناعة المتكسبة ”الايدز“ والذي قتل نفسه انتحاراً قبل أن تظهر التحاليل التي كانت سلبية، وتفيد بأنه غير مصاب، وإنما كانت تلك البنت التي سهر معها قد كتبت على مرآة الغرفة بأنه مصاب بالإيدز، ومع ذلك لم يتورع عن مغامراته العاطفية فتارة مع ”ساريا“ واخرى مع ”ماريا“، رغم أن إحداهن طلبت منه الاقتران الشرعي عن طريق الزواج ولكنه رفض.

وجاءت الغمزة الثالثة التي أدت الى يقظته بالكامل، فهو مسلم في بلاد غريبة، هذه البلاد تعرضت إلى حوادث سياسية وأمنية وكان الفاعل فيها بعض المسلمين فأٌخذ الكُل بجرم البعض، ف ”بدأت الاستخبارات تداهم شقق المسلمين وتعتقلهم بدون وجه حق، وتحتجزهم مدداً متفاوتة بدون إبداء أسباب، ثم سن قانون التسجيل، يُلزم كل مسلم أن يذهب ليعنون إقامته في مركز معين، فكانت فرصة لاعتقال الطلبة المسلمين الذين كانوا يأتون إلى تلك المراكز لغرض التسجيل“ «ص233» وقد تعرض بموجب ذلك لضغوطات عنصرية في الدولة التي يعيش فيها، وصادف أن مات أحد أصدقائه ويدعى عبدالعزيز في حادث مروري وكان معه في سيارته، إذ "بقي عبدالله في المستشفى لحين تحسن حالته الصحية، وبمجرد خروجه من منزله داهمت المباحث بيته، وبعد استجواب طويل لم يجدوا عليه أي تهمة أو شكوك، ومع ذلك تم تسفيره، ولم يستطع محاميه أن يوقف ترحيله «ص246» فعاد إلى البلاد ليطلب من والده وهو صديقه «محمد» بإجراء دراسة جدوى لإنشاء شركة، وهذا ما تم فعلاً، ليصبح من رجال الأعمال، وهاجر فيما بعد طلباً لواقع أفضل.

أما أحمد فقد ذهب إلى الدراسة الدينية، فظل معتكفاً على الدراسة بغية أن يصبح مميزاً في هذا المجال، لكنه تعرف على شخص يدعى ”حسن“ الذي قدم إلى تلك البلاد لدراسة العلوم الدينية أيضاً، لكنه اشتغل بأمور حرّفته عن هدفه الأساس، أي أنه اشتغل بالشأن السياسي، مما أدى إلى اعتاقله في البلد الذي كان فيه، وتم ترحيله إلى بلد آخر ليتعرض فيها مرة أخرى للظروف ذاتها.

لكنه بعد مدة من الزمن عاد إلى البلاد وهو يحمل لقب ”شيخ“ فألتف الناس حوله ولعبت الشهرة لعبتها لدرجة أنه لا يسمع كلام أحد مالم يقدم كلمة ”شيخ“.

بدأ احمد يشارك الناس أفراحهم وأتراحهم ويتفضل عليهم بتواضعه، فكان يقبل ولائمهم ويزور مريضهم فيما استمرت حاشيته تنشر كراماته تارة وأعماله الوطنية تارة أخرى، وتذكرهم بنضاله من أجلهم. وبدأت أسطورة الشيخ تكبر وتتزايد في الحجم حتى أصبح الشيخ أحمد يعرف بالعالم الورع، النقي المناضل المتواضع" ص 148

لقد أصبح رجل دين وبات يسيطر على المال وصار يمتلك بيتاً وسيارة ومصاريف، وتمكن - بقدرة قادر - السيطرةعلى الأوقاف، ودخل في صراعات مع الآخرين من أجل ذلك، وبذلك استمرت حياته في هذا الشأن.

أما خالد الذي غادر ولا أحد يعلم وجهته، عاد إلى البلاد مرة أخرى حاملاً راية الجهاد بوسائل العنف، فحاول أن يفجر نفسه بحزام ناسف في موقع مزدحم بعامة الناس لكنه لم ينفجر فوقع في أدي السلطة، واعتقل لهذا السبب فترة من الزمن، وبعد أن خرج ظل منطوياً على ذاته ”لا يتكلم كثيراً ولا ينتقد والديه وإخوانه - كما كان يفعل سابقاً_ وظل على هذه الحالة ما يقارب الثلاثة شهور، إلى أن جاءه إتصال كي يعمل في الشركة العملاقة، على وظيفة حارس أمن في الشركة التي لم يستطع صديق طفولته محمد العمل فيها، بالرغم من شهادته الجامعية ومعدله العالي بتقرير المشرف على تدريبه“ ص159

بقي على هذا الحال لا يقابل أحداً من أصدقاء طفولته «محمد وعبدالله» فضلا عن أحمد اللذين كانا على طرف نقيض معه في من الأصل. إن ”خالد“ بسلوكه الإنطوائي هذا لم يكن لحالة نفسية، أو نتيجة عملية مناصحة جرت له، وإنما كان يخفي مشروعاً إرهابياً حقيقياً يسعى له، إذ أستطاع من خلال الشبكة العنكبوتية الاتصال بالتنظيم الذي التحق به إبان فترة غيابه في الخارج، ووضع الخطط معه لتجنيد الأشخاص وجمع الأموال بإسم عمل الخير، لكنها تذهب لتمويل العمليات الإرهابية. ص269

وصار بهذا الفعل يدير خلية إرهابية تنفذ مخططاً مضاداً للمجتمع والأمة والسلطة السياسية أيضاًن فهو يعمد إلى إثارة النزاعات المناطقية والطائفية والقبلية، وينفذ عمليات إرهابية مضادة للفئات والطوائف المختلف معها، فقامت الخلية التي يشرف عليها خالد بتنفيذ أعمال إرهابية منها عملية تمت في مسجد راح ضحيته عدد من المصلين، ومن بينهم زميله وصديقه ”أحمد“ الذي كان يدّعي دور الشيخ أحمد، الذي كان قد دخل في متاهات الجدل المذهبي العقيم. كذلك نفذ ”خالد“ عملية كبيرة في منطقة صناعية راح ضحيتها عدد من العمال فضلاً عن الخسائر المادية الجسيمة.

تلك أهم ما حملته رواية ”الأفاعي“ التي أرادت التحذير من ثلاثة أخطار هي ”الطائفية، الإرهاب، الفساد الأخلاقي“ فهذه الأقانيم الثلاثة تجر معها تخلفاً عاماً وضحايا وتراجعا على مختلف الأصعدة. هذا ما تؤكده أحداث الراية التي لو شئنا تحديد مكانها فهي في بلد الوطن العربي الكبير، ويمكن أن تحدث في أي مكان من المعمورة، أما زمان الرواية فهي العصر الحديث، عصر العولمة والقنوات الفضائية، عصر الانفتاح والشبكة العنكبوتية، العصر الذي باتت فيه الكرة الأرضية قرية واحدة، فما يحدث هنا يشاهده الناس في القارات، والعكس صحيح. لقد جرت أحداث الرواية في زمان بات السفر إلى العالم الخارجي أسهل، والانفتاح على الأفكار والثقافات متاحة للجميع، فكل ردود الفعل أيضا تجاه ما يقوم به الطرف الأقوى في معادلة العولمة، إما بالإنفتاح والتعاطي الإيجابي وأخذ ما ينفع وترك ما لا ينفع، أو القيام برد فعل عنيف، وهو الارهاب والقتل والتكفير.

الدين أيضاً كا له حضورة في أحداث الرواية وشخوصا، أما أن ناخذ ديناً إرهابية وطوائفياً يزرع بذور الفتنة، ويقدم كل ما يضر المجتمع وتوجهاته، وبين أن نقد دين العتدال المتسامح الذي يسعى لأن يهذب الروح ويطهر النافس لتنطلق لعمارة الدنيا، كي تنال الجزاء الأوفى في الآخرة، ورجل الدين كذلك فهناك عينات، إما أن يكون رجل دين يدعو الناس إلى الخير بالمعروف والنهي عن المنكر، أو رجل دين يزين للناس الإرهاب والطائفية، وتحت مبرر التخلي عن الدنيا ويبيح القتل والتدمير

تلك أهم ما حملته الرواية، لمؤلفها حسام الحب.

رواية الأفاعي هي رواية للكاتب السعودي حسام الحبيب تقع في حوالي 300 صفحة من الحجم المتوسط.

تهدف الرواية إلى التوعية من إستغلال الدين للمنافع الشخصية والإرهاب وتدعو للمحبة والتسامح وقبول الآخر كما توجه صرخة ضد التخلف والجهل والانغلاق. -ويكيبيديا-
كاتب وروائي سعودي - صفوى