آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

العلم: عودة للأساسيات

حسين إسماعيل *

على الرغم من كوننا على علاقة وطيدة ويومية بالعلم أو تطبيقاته، إلا أن هنالك حاجزاً غير مرئي يحجب بيننا وبين حقيقة العلم. هذا الحاجز يمنع الكثير في مجتمعنا من التبحر في العلم، مكتفين بالتمسك بمفاهيم ناقصة أو مغلوطة عنه. ويمكن ملاحظة هذا الحاجز في المعاني الخاطئة والدارجة لمصطلحات الفرضية والنظرية والحقيقة العلمية لدينا. الالتباس في إدراك حقيقة هذه المصطلحات يؤثر سلباً على تعامل الفرد مع العلم وتقبله إياه بل وحتى استيعابه له، والأمثلة تتفاوت بين جهل معنى العلم أساساً، أو الخلط بين الفرضية والنظرية، أو الاعتقاد بأن النظرية والحقيقة العلمية سيان. أهدف في هذا المقال لإزالة بعض اللبس في المفاهيم، ولنبدأ بمحاولة تعريف العلم:

في الموسوعة البريطانية، العلم هو منهج معرفي يهتم بالعالم المحسوس وظواهره التي تنتج مشاهدات واختبارات علمية. والدكتور حسين علي في كتابه ”منهج الاستقراء العلمي“ عرّف العلم بأنه نوع من المعرفة يبحث عن القوانين العامة التي تربط بين مجموعة من الحقائق الخاصة، ثم ذكر أيضاً أن العلم النظري - وهو محور الحديث - يحاول تفسير الظواهر وبيان القوانين التي تحكمها.

من خلال هذين التعريفين يمكن إيجاد فكرة رئيسية لما يصنّف كعلم، وهو المنهجية العلمية. تكمن أهمية المنهجية في أنها الوسيلة الأساسية لتوقع الظواهر الطبيعية واكتشاف نواميسها. ولا بدّ من الملاحظة أن مفهوم المنهجية العلمية مشترك لمجالات العلوم المختلفة، ولكن حيثيّاته تختلف لعوامل عديدة. ولذا قُسّمت العلوم الطبيعية لقسمين:

القسم الأول هو العلوم المختبرية، وهي العلوم التي يمكن مشاهدة ظواهرها واختبارها بطريقة أو أخرى «سواء في المعامل أو غيرها»، كالكيمياء والفيزياء.

القسم الثاني هو العلوم التاريخية «أو الملاحظية»، وهي التي يمكن مشاهدة ظواهرها ولكن لا يمكن اختبارها، كالجيولوجيا وعلم الآثار.

قبل أن نتعرض لأهمية هذا التقسيم، لا بد أن نعرج على مفهوم المنهج العلمي أو ما يعرف بالطريقة العلمية. ببساطة، المنهج عبارة عن خطوات نظامية تهدف لتكوين واختبار وتعديل الفرضيات. وهي تبدأ بطرح السؤال، مروراً بجمع الحقائق وتكوين الفرضية واختبارها، وانتهاء بإثباتها لتصبح نظرية أو رفضها وطرح فرضية أخرى وهكذا. وعلى الرغم من أنها تبدو بسيطة وخالية من التعقيد، إلا أن تنوّع المجالات العلمية وتقاسيمها يؤدي لمنهجيات مختلفة داخل المنهج العلمي ذاته، مما يؤدي لجدالات عديدة في اعتبار مجال ما من العلوم أو الفنون وإلى ذلك.

بعد التعرف على العلم وأقسامه ومنهجيته، يمكن أن نبدأ بتعريف المصطلحات التي أشكلت على البعض:

الحقائق العلمية هي الملاحظات والمعلومات التي يتم جمعها عن الغرض المراد بحثه. بعبارة أخرى، الحقائق هي مشاهدات يمكن تأكيدها بالاختبار وغيره. وهي اللبنة الرئيسية للفرضيات والنظريات.

الفرضية العلمية هي هيكل تفسيري غير مختبر لظاهرة طبيعية، وهي «إن صح التعبير» نقطة البداية الأساسية، حيث أن المراحل التي تليها إما تؤكدها أو ترفضها، وفي حالة الرفض يتم تكوين فرضية أخرى وإعادة الخطوات.

النظرية العلمية هي هيكل تفسيري مختبر ومقبول لظاهرة طبيعية، أو بعبارة أخرى: النظرية هي تفسير مقبول ومختبر للحقائق العلمية. لذلك فالنظرية يمكن تعديلها واستبدالها متى ما توافرت حقائق أكثر، ومن الممكن أيضاً أن تكون هناك نظريتان مقبولتان متناقضتان، كما في التطور التدريجي لدارون والتوازن المختل لإلدردج وغولد.

من خلال تعاريف المصطلحات، نجد أن النظرية لا يقال عنها صحيحة أو أنها حقيقة، فالمصطلح المستخدم في الأوساط العلمية هو ”مقبولة“، لكون النظرية متغيرة على الدوام. والنظرية أيضاً ليست حزمة واحدة، فهي تتكون من فرضيات عديدة يمكن رفضها أو تأكيدها لاحقاً، ولذلك لا عجب في أن نظريتين كالانفجار الكبير وحركة الصفائح لم تعتمدا رسمياً إلا في الستينات من القرن الماضي.

نجد إذن بالتعرّف على حقيقة العلم ومصطلحاته بوهمية الجدل بين النظرية والحقيقة العلمية، فالحقائق تكوّن الهيكل التفسيري، ولكن ذلك لا يعني أنه الأصح، ويمكن التمثيل على ذلك بنظريات الأثير الذي كُوّنت لتفسير حركة الضوء قبل نظرية النسبية وما قبلها من البحوث؛ وتبنّي النظريات الحديثة لا يعني أن الحقائق المستخدمة في النظريات القديمة باطلة بالضرورة، بل تفسيرها كان غير دقيق.

ونجد أيضاً أن القبول العلمي لنظرية لا يعني أنها ستكون كذلك دائماً، والعكس صحيح!

خلاصة الموضوع أن أغلب الأحاديث والجدالات الدائرة بين المتعلّمين تنبع من سوء فهم إما لمعنى المصطلحات العلمية أو للعلم ذاته، ولا سبيل لتجنّب ذلك إلا بالاطلاع على العلم من مصادره الأساسية خصوصاً مع تيسر الوصول إليها في زمننا. فلنكن باحثين عن الحقيقة، وليس عما نعتقد أنه حقيقة.