آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

نحن والتاريخ

حسين إسماعيل *

في مقدمة كتابه ”متناقضة المؤرخ“، يقول بيتر هوفر في معرض حديثه عن أهمية معرفة التاريخ واستحالتها في الوقت ذاته:

”بدون التاريخ، الناس لا يملكون هوية، ولا حاضر، ولا ماضي.“

ربما لا يكون جوهر مقولته بالشيء الجديد لدى القارئ، وقد يعتبره البعض من باب تحيّز العالم لمجال اختصاصه. وبرغم كون كلا الاحتمالين صحيحاً نسبياً، إلا أننا قبل أن نحكم قطعاً لا بد من أن نعرّج على السؤال الأهم: ما هو التاريخ؟

أجزم أن أغلب الآراء التي شُكّلت بعد قراءة المقولة ارتكنت للمفهوم السطحي للتاريخ؛ أي سلسلة التواريخ والأحداث التي تعاقبت بمنطقة ما سواء في الماضي القريب أو البعيد. فعلى سبيل المثال، أغلبنا يحفظ عن ظهر قلب متى حدثت معارك بدر وأحد والخندق والقادسية، ويعرف أن الدولة السعودية التي نعيش في أحضانها هي ثالثة لدولتين قبلها. هذا السرد التاريخي لا يشكل سوى جزءاً ضئيلاً من التاريخ، وهو أقرب لكونه قشراً يغطي الحقيقة أو يحجبها أحياناً، ولو كان بتلك الأهمية التي أعطاها إياه البعض لأمكن أي قارئ لموسوعة تاريخية أن يكون مؤرخاً، لكن الواقع غير ذلك.

التاريخ قراءة للماضي وتحليل لترابط الأحداث التي أوصلتنا لما نحن عليه اليوم. لاحظ عزيزي القارئ أن تحليل الحدث فقط فارغ وعديم الجدوى ما لم يقترن بآخر بعده أو قبله، فالروابط والقرائن هي ما ترسم التغيير وتشكل الأنماط التي يشير لها البعض في مقولة ”التاريخ يعيد نفسه“، ناهيك عن كون تلك الروابط وسيلة لتوقع المستقبل.

إذن حين نتعرض لمفهوم التاريخ الحقيقي، نجد أننا لا نفهمه، بل ونتجاهله! نحن نسير في دوائر أجبرناها أن تكون مغلقة، وبدل أن نغيّر معادلات حل مشاكلنا اكتفينا بتغليف حدودها بمصطلحات مختلفة. ما فائدة أن نسمع بمصطلحات النهضة الأوروبية والتنوير إذا كنا نجهل ماهيّتها وكيفية تطورها وحدوثها؟ ألسنا وقتها نغوص في الجهل المركب؟

ما نحن عليه اليوم وليد الأمس، وما سيكون غداً وليد اليوم. كي نكسر دائرة التاريخ علينا أن نتعمق في تاريخنا وتاريخ غيرنا، علينا أن ندرك تماماً كيف تطور كل ما نعتقد أنه موطن خلل لدينا قبل أن نبحث منهجيات حله، وما عدا ذلك فهو محاولة بائسة لتخفيف سوء الغد.