آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

أتباع الفتاوى وأتباع النظريات

حسين إسماعيل *

لعل أحد أكبر المعضلات التي تواجه مجتمعاتنا منذ فترة ليست بالبسيطة هي الإيمان بوجود صراع حقيقي بين العلم والدين. استخدامي لكلمة «حقيقي» ليس تكلفاً أدبياً أو ما شابه، بل هو اعتقاد بوهمية هذا الصراع أساساً؛ فمن وجهة نظري، جوهرا العلم والدين لا يتنافيان ولا يتصادمان، بل لكل منهما غاية ومنهج مختلفان عن الآخر، ومن الممكن التوفيق بينهما. المشكلة برمتها مجرد خلاف عقائدي بين أتباع الفقهاء وأتباع العلماء الذين كرسوا وهم ذلك الصراع.

كون نشأة الكثير منا في مجتمع يؤمن بدين أو أكثر جعل مناظير البعض الحياتية تتطور بمفهوم إيماني بحت؛ بمعنى أن الإيمان بأمر ما يقتضي الإيمان بشيء أو ينافي شيئاً آخر. هذا المنظور طبّق على العلم أيضاً، فراح البعض يعتقد أن النظريات والقوانين العلمية معتقدات إيمانية يؤمن ببعضها ويكفر بآخر، في حين كون المنهج العلمي الحديث منفصلاً عن الدين والإيمان بالمعنى المذكور.

المنظور الإيماني اتخذه متبعو الفقهاء ومتبعو العلماء منهجاً لهم في رؤية الآخر - «وإقصائه أحياناً» -. والفارق بين التبعية والفهم هو كون الأولى تأخير للعقل عما غيره، أما الفهم فهو مبني على قناعة عقلانية ذاتية. التبعية يمكن أن تكون لفقيه أو عالم دون اختلاف في حقيقتها؛ هذا يتبع فتوى دينية لا يفقهها ويتعصب لها، وذاك يقوم بالشيء نفسه لنظرية علمية. التابع إذاً قاصر، لم يكلف نفسه عناء البحث والاطلاع، بل اكتفى بالنقل والانصياع. التابع للفقيه ينظر لفتوى ما على أنها حق مطلق يُسقطُ ما سواها ويُقصي من لا يعتقد بصحتها، والتابع للعالم يعتقد أن نظرية ما مرادفة للحقيقة، ويعتبر من يرفضها متخلفاً غارقاً في أوحال العصور الظلامية. ويكفينا نظرة واحدة على الفتاوى والنظريات العلمية بالعقود الأخيرة لنجد تغيراً «جذرياً أحياناً» فيما كان يعتبر يوماً من المسلمات، وهذا لم ينقص من قيمة العلم أو الدين كون الاثنين يمتلكان ثوابتاً ومتغيرات عديدة، في حين أن الأتباع ظلوا على تحجرهم وتعصبهم. يجب التنبيه أن مقارنة الفتوى بالنظرية ليست من باب المساواة؛ فمنهجيتهما مختلفة تماماً، المقارنة تأتي من حيث كونهما صدرتا من متخصصين في مجالهم بناء على معطيات توافرت لديهم واستنتجوا ذلك على ضوئها.

وعلى الرغم من أن العلم متغير متطور، إلا أن عمليتي التغيير والتطوير لا تتمان بسلاسة كما يعتقد البعض. النظرية العلمية تختلف عن المعنى الدارج لكلمة «نظرية»؛ فالاستخدام الدارج لا يعدو كونه فكرة أو رأياً قد يصحان أو لا، أما النظرية العلمية فهي التفسير الأكمل - حتى الآن - لواقع خارجي، يمكن تطويرها أو حتى استبدالها، لكنها تعتبر الأفضل حتى يتم ذلك. كثير من أتباع العلماء يجهلون أن نظريتين مثل الانفجار الكبير وحركة الصفائح لم تعتمدا رسمياً حتى الستينات من القرن الماضي، بل وحين أراد نيلز بور نشر دراسته في تطوير نظرية الذرة قال عالم الفيزياء الألماني أوتو ستيرن: «إذا كان هذا الهراء صحيحاً سأعتزل كوني فيزيائياً». «والنظرية اعتمدت في البداية تم طورت لاحقاً»

الجوهر وتفسيره أمران مختلفان، فحين أرى كأساً مملوءاً بالماء على منضدة أستطيع أن آتي بعشرات الاحتمالات لكيفية أو سبب وجوده هناك دون أن أؤثر بتلك الاحتمالات على حقيقة وجود كأس الماء، وتتبين جدوى احتمال عن غيره مما ينتج بعده من فهم أكبر لكأس الماء. وكذلك الاتباع بالمنظور الإيماني؛ فالتابع للفقيه لن يجعل الكائنات تتوقف عن التطور إن هو لم يؤمن بنظرية الارتقاء، والتابع للعالم لن ينقصه علماً أن يؤمن بدين معين.

التغير أمر طبيعي وضروري في دورة الحياة، ولا بد أن يصاحب ذلك التغير تطور في المفاهيم وتوسع في الإدراك، وعليه فإن أي أمر جامد هو ميت في واقعه. الدين والعلم أمران لا يخرجان عن دورة الحياة، وإن لم يتغيرا فذلك يعني موتهما. فليكن ذلك الأمر في حسبان الأتباع قبل أن يضعوا أنفسهم في مواقف لا يحسدهم عليها أحد.