آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

عقلنة الخطاب الديني

حسين زين الدين * صحيفة ميدل ايست

ثلاث إشكالات كانت محل انشغال الخطاب المعاصر الإسلامي والمنشغلين به، لها علاقة وثيقة في ترسيم شخصيتنا وأفكارنا ومنظومتنا العقدية والثقافية، والمهم نظرتنا للعالم والحضور الفاعل والواعي في عملية التغيير في الحياة.

فعلى المستوى الفردي تكمن الإشكالية الأولى في: كيفية الجمع بين التدين من جهة، ومتطلبات الفكر والواقع المعاصرين من جهة أخرى، وتتجلى الإشكالية الثانية على المستوى الاجتماعي في كيفية إقامة مجتمع ديني يتمتع في الوقت نفسه بالعدالة والديمقراطية والرفاهية والتقدم. وتبرز الإشكالية الثالثة على المستوى الحضاري في: هل يمكن القول إن مصير البشرية هو الحضارة الغربية فقط، أم أن هناك مستقبلا آخر للبشرية خارج هذه الحضارة؟

ويظهر من الوهلة الأولى أن تلك الإشكالات تفسر طبيعة معترك الصراع القائم والذي يعيشه الإنسان المتدين، بين «التراث» الذي يمثل أساس تاريخه وثقافته وبين «الحداثة» باعتبارها ظاهرة عصرية هامة، إلى جانب أن البحث في تلك الإشكاليات وموضوعاتها بين المنشغلين بالفكر الإسلامي ينطلق من رؤى وآراء متباينة لتصل في آخر المطاف إلى استنتاجات متباينة، وبالتالي فأن أكثر تلك الاستنتاجات ليست بالضرورة هي إجابات لما طرحته تلك الإشكالات من تساؤلات بقدر ما يعكس الهواجس والمخاوف التي تحتضن الخطاب الديني وهويته في مجتمعاتنا.

على أثر ذلك، ندرك واقعا أن الفكر الإسلامي لازال يفتقد إلى القراءة العلمية والمحكمة لطبيعة المتغيرات والتحولات العالمية، وإلى منهجية قادرة على استشراف المستقبل وآفاقه.

والواضح أن أحد أسباب تضخم الأزمات في مجتمعاتنا هو الاتجاه بالانشغال بالردود على التيارات الأخرى ونقدها دون الاتجاه بالنقد لذواتنا، وإثبات المتغيرات والتحولات الجديدة التي فرضت تحديثات على بنية المفاهيم والأفكار تفاعلا مع حركة الزمن ومواءمتها.

إن محاولة الانتقال بالخطاب الإسلامي المعاصر من منهجية النقد إلى منهجية البديل، ومن العموميات إلى الجزئيات، ومن حالة الركود والجمود إلى حالة الإبداع والابتكار والتجديد، ومن الاهتمام بقضايا العصر بدل من الاهتمام بالماضي ومشكلاته، مؤشر من مؤشرات الوعي لإسلام واقعي لديه من النضج ما يجعله قادرا على تحرير أصحابه من انعتاق الذات والأفكار المعيقة للإبداع والابتكار، لا إسلام معياري ينطق بالمثل العليا، ويفتقر إلى الفكر المبدع، ويفقد هويته مع أول مواجهة أو مشكلة، عاجز على انتشال الإنسان من خرافاته وأساطيره التي كانت عليها أمم آبائه.

عليه حاول المنشغلون بالفكر الإسلامي المعاصر لرفع هاجس الخوف وتعزيز حالة الاطمئنان لدى الفرد المتدين في مجتمعنا، أولا: الوقوف على تلك الإشكالات من حلال تفكيك مفاهيمها وإدراك احتياجاتها الإدراك العقلي المنطقي السليم بشكل يزيل حالة الغموض والالتباس عنها عن طريق البحث عن إجابات منطقية متجدّدة تقود - في ذات الوقت - إلى عشرات التساؤلات والاحتياجات الجديدة التي تحمل بين طياتها طبيعة الحال وملامح الزمان والمكان والتاريخ وتأثيره، وثانيا: العودة إلى التراث على هدى العقلانية الجديدة القائمة على عزل الموضوعات عن قائليها.

لقد أصبح من الضروري الحاجة لتشخيص مسيرة الفكر الإسلامي، خاصة في هذا العصر الذي يشهد تحولا هاما في الحياة السياسية والاجتماعية الثقافية.