آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

المثقفجيون الجدد

حسين إسماعيل *

يقول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه «خوارق اللاشعور»:

«ينبغي أن نميز بين المتعلم والمثقف، فالمتعلم هو من تعلم أمورا لم تخرج عن نطاق الإطار الفكري الذي اعتاد عليه منذ صغره. فهو لم يزدد من العلم إلا ما زاد في تعصبه وضيّق في مجال نظره، هو قد آمن برأي من الآراء أو مذهب من المذاهب فأخذ يسعى وراء المعلومات التي تؤيده في رأيه وتحرضه على الكفاح في سبيله. أما المثقف فهو يمتاز بمرونة رأيه وباستعداده لتلقي كل فكرة جديدة وللتأمل فيها ولتملي وجه الصواب منها. »

ويقول المفكر الإيراني شريعتي أيضاً في محاضراته المنشورة بعنوان «مسؤولية المثقف» متحدثا عن مستوردي الثقافة:

«أولئك الذين يتصورون أنه يمكن في الحضارة والثقافة قطع طريق مئة سنة في ليلة واحدة، إما أنهم لا يفهمون، وإما أنهم لا يريدون أن يفهم الآخرون. »

اختياري لمقولتي هذين العالمين، على الرغم من وجود غيرهما ممن أثرى الثقافة الاجتماعية في العقود الأخيرة، يعود لكونهما وصفا لشريحة من الناس قد تكون أكثر من يردد مقولاتهما دون أن تعي أنها المعنية بالحديث والذم.

هذه الشريحة برزت للساحة الاجتماعية بشكل واضح مؤخرا نتيجة لتيسر الحصول على المعلومات والأخبار في أي مكان وزمان ولسهولة حشد المتابعين في شبكات التواصل الاجتماعي. ومن أجل تمييز فكرها عن الشرائح الأخرى فقد نسبت لنفسها «العقلانية» و«المنطقية» في التعامل مع الواقع والمجهول. دوما ما دخلت هذه الشريحة في جدالات ونقاشات مع من لا يوافقها الفكر، خصوصا المحافظين والإسلامويين، متذرعة بأن مخالفيهم «مؤجرون لعقولهم» أو «متخلفون»، ومتهمة إياهم بالتسبب في تأخر المجتمع عن نظائره المتقدمة والمتحضرة.

المضحك المبكي أن تبني هذه الشريحة للمصطلحات الرنانة، من عقل ومنطق وتفكّر، ما هو إلا غطاء رقيق يتمزق مع أي نسمة للرياح، فيكشف ما وراءه من فكر متناقض وبال، ويثبت أن فكر هذه الشريحة والشرائح «المتخلفة» في بعض الأحيان وجهان لعملة واحدة.

شريحة المثقفجيون الجدد هذه عبارة عن أفراد نشؤوا بفكر معين في مجتمع لا يسمى حضاريا غالبا. وحين أتيحت لهم فرصة الاطلاع على ثقافة مجتمعات أخرى وعلومها استعانوا بالمنطق الذي تربوا عليه في فهم ودراسة تلك العلوم والثقافات ومن ثم في محاربة فكرهم السابق ومن ناصره ومن دعا إليه.

بعبارة أخرى، منظارهم الحياتي في استيعاب ما يجري حولهم هو ذات المنظار الذي صنعته مجتمعاتهم التي صارت بالنسبة إليهم متخلفة ورجعية. لذا فمن غير النادر أن نرى متعصبا لنظرية علمية في مقابل متعصب لفتوى ما، أو متشبها بعلماء ومفكرين في مقابل من «يحب الصالحين وليس منهم». والأدهى من ذلك أنهم يتجاهلون كون الحضارات الأخرى تطورت في ظروف مغايرة وليست جميعها قابلة للنسخ واللصق كما يطالبون.

ليس من الصعب تمييز هؤلاء المثقفجيين الجدد، فهم يمتازون بالتناقض الفكري بشكل شبه لحظي، وبالاعتقاد بصحة شيء فقط لأنه ذكر في كتاب ما وإن لم يكن موثقا بدليل. هم أيضا يجهلون التاريخ وأهميته مؤمنين بأنه سلسلة أحداث انتهت وعفى عليها الزمان، ويؤمنون كذلك بإحاطتهم الكاملة بأمر معين بمجرد الاطلاع على المقالة الخاصة به في الويكيبيديا.

ولعل أكثر ما يميزهم هو إيمانهم التام بأن الدراسة الأكاديمية والقراءة الشخصية أمران متطابقان؛ فلديهم الاستعداد على تسفيه معلومة أو رأيٍ أكاديمي باستخدام «عقولهم» والمعارف الأساسية التي يمتلكونها في تحليل تلك المعلومة. فعلى سبيل المثال، يبحث الدكتور رضا أصلان في كتابه «لا إله إلا الله» الأسباب التي دفعت بأبرهة الحبشي لهدم الكعبة، مستنتجا أن العامل الاقتصادي وازدهار حركة التجارة في مكة آنذاك جعلت أبرهة يحاول محاكاة ذلك النجاح في اليمن والتخلص مما ينافسه. أحد المثقفجيين الجدد اختصر المشوار وخرج باستنتاجه الخاص المستند على رأيه «فقط» قائلا أن القصة لم تحدث أبدا لأن الفيلة غير صالحة لصعود المرتفعات الموجودة بالحجاز. «قصة حقيقية»

حالة الاستغباء الفكري متفشية في أوساط المثقفجيين الجدد لدرجة أنهم صاروا غير قادرين على تمييز الواقع من الوهم والحق من الباطل، وما يزيد الأمر سوءا أنهم يعتقدون بفوقية فكرهم ورقي عقولهم في مقابل كون الشرائح الأخرى متخبطة وضالة في سعيها. ما يحدث باسم العقل والمنطق على أيديهم أمر مخزٍ وتلوين للحقيقة بغير ألوانها. ولأن شريحتهم من السلاسل التي تشد المجتمع إلى الخلف، فلا بد من تحطيمها في سبيل التقدم ورفعة المجتمع والتخلص من الرواسب التي تجمعت في درب الحضارة.