آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

التطابق بين الأقوال والأفعال

حسين علي آل نمر

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 2 - 3].

ميّز الله سبحانه وتعالى الإنسان عن غيره من سائر المخلوقات بنعمة العقل، فبالعقل يكون منطق التكليف، ومن خلاله نميّز الضارّ والنافع، وكذا الخير والشرّ.

والواجب علينا الاهتمام بهذه النعمة وإحاطتها بالرعاية، ومن هذه الرعاية شكر النعمة، حيث قال جلّ وعلا: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد [إبراهيم: 7]. ولشكر هذه النعمة أشكال كثيرة، ومن أهمّها: تطابق القول مع العمل.

فللقول تصنيفات كثيرة ومتنوعة تعتمد على رؤية الباحث في هذا المفهوم أو ذاك، ولو تناولناها قد يطول الحديث عنها، ولكن نوجز في ثلاثة أنواع:

َ

١ - القول الصادق:

جاء في بعض معاجم اللغة - كالمعجم الوسيط - تعريف الصِّدْقِ بأنه: مطابقة الكلام للواقع بحسب اعتقاد المتكلم. فالصدق صفة محمودة ودرجة كبيرة نسعى جميعًا لبلوغها والتحلّي بها.

ولعلّنا رأينا إنساناً مّا في بيوت العبادة ومجالس الذكر يتوجّه بالدعاء وعلامات التأثر واضحة عليه، فلا يحقّ لنا إلا الحكم بصدق مشاعره تجاه ربه، ولكن ألا يتطلّب هذا الصدق في العمل، فمن يدعو بطلب الرحمة لا بُدّ أن يَرْحَم، ومن يدعو بطلب العطاء لا بُدّ أن يكون كريمًا ويعطي بما استطاع من العطاء على تنوعه.

قال تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ [الأحزاب: ٨].

يقول بعض المفسّرين في معنى سؤال الصادقين عن صدقهم هنا: مطالبتهم أن يظهروا ما في باطنهم من الصدق في مرتبة القول والفعل، وهو عملهم الصالح في الدنيا.

فالمراد بسؤال الصادقين عن صدقهم: «توجيه التكليف على حسب الميثاق إليهم»؛ ليظهر منهم صدقهم المستبطن في نفوسهم، وهذا في الدنيا لا في الآخرة.

٢ - القول الكاذب:

الكَذِبُ: عكس الصِّدْقِ، وهو عدم مطابقة الكلام للواقع، وهي صفة مذمومة تنتقص من قيمة المرء، وتشوِّه كماله.

وفي ذمّ الكذب وبيان نتائجه الوخيمة سيلٌ من الشّواهد القرآنية والروائية والأدبية، منها ما جاء في الخطبة الأولى للإمام الحسين بن علي عليهما السلام في يوم العاشر من المحرم:

«والله ما تعمّدت الكذب مُذْ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه».

فيجب الحذر من تعويد النفس على الكذب، فربما يقع بعضنا فريسة للكذب، بدون قصد، نتيجة الجهل أو عدم التحقق مما ينقل، فمثلاً، نقرأ في بعض الأخبار المتداولة في وسائل التواصل المختلفة عبارة «كما وصلني» ويتم نقلها بحسن نية ظناً منا أنها تنجينا من الوقوع في الكذب أو الإثم، وهذا غير صحيح، فما ننقله يُحسب علينا وإن لم نقصد منه السوء.

٣ - القول المخادع:

وهو من أخطر أنواع القول - رخاوة في الطبع وقساوة في القلب - حيث جاء في معنى الِخدَاع أنه السعي إلى إيقاع الناس بالمكر والحيلة دون علمهم، وأن يُظْهِرَ الْمَرْءُ خِلاَفَ مَا يُبْطِنُ، وهو الِنفَاق بعينه.

ويُعَدّ من أشدّ الصفات قبحًا، ويحاسب عليها الإنسان أشدّ حساب، كما قال تعالى: ﴿بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [النساء: ١٣٨].

وتتضح درجة خطورة النفاق في أنّ المرء لا يخاصم العباد، بل يُخاصمُ ربّ العباد، يقول عبدالله بن أُبي:

متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل

تــذلّ ويصرعك الذين تصارع

وهل ينهض البازي بغير جناحـــه

وإن جُذ يوماً ريشه فهو واقع

نفهم من هذين البيتين أنه مهما بلغت درجة إشباع الرغبة من الخداع فلا بُدّ من الخسارة في نهاية الأمر.

عزيزي القارئ.. لو عدنا إلى الآية الكريمة في صدر الحديث لوجدنا عِظَمَ الجرم الذي يرتكبه من يخالف فعلُه قوله، فكيف يأمر الناس بالفعل وينسى نفسه!.

من خلال ما ذكرنا من تصنيف لأنواع القول، نتوجّه بالنصح لأنفسنا ولكم بما يلي:

١ - يسعى الإنسان في حياته إلى الكمال، ولا يتحقّق ذلك إلا من خلال التطابق بين القول والفعل.

٢ - إنّ التوجيه الرباني يوجّه البوصلة نحو الصدق والصادقين لما له من قيمة كبيرة يُحمد عليها فاعلها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 119].

٣ - نؤكّد أن الخديعة لن تكون انتصاراً على المؤمن، بل تحدّيًّا لله، فانظر من تخاصم، ولا تفرح بما تعمل، فهذا مرض يقود إلى الهلاك.

قال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة: ٩ - ١٠].

٤ - عندما تريد الحمد والثناء على عملٍ مّا، فكن صادقاً ومخلصًا في العمل لتحصد ما تتمنّى، وليكن شعار «الدين المعاملة» ماثلاً أمامك دائماً.

قال رسول الله ﷺ: «لا تَنْظُرُوا اِلى كَثْرَةِ صَلاتِهِمْ وَصَوْمِهِمْ وَكَثْرَةِ الْحَجِّ وَالْمَعْرُوفِ وَطَنْطنَتِهِمْ بِاللَّيْلِ، وَلكِنِ انْظُرُوا إلى صِدْقِ الْحَديثِ وَأداءِ الأَمَانَةِ».

٥ - الصدق صفة إيمانية محبّبة تتحقق بالتطبيق الفعلي، قال الإمام علي :

«اَلإِيْمَانُ أَنْ تُؤْثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكِذْبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ».

نسأل الله أن يكتبنا من الصادقين، وممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، وأن يجعل أفعالنا خالصة لوجهه الكريم، وخير أعمالنا خواتيمها.