آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 11:13 م

نظرية المؤامرة بين الواقع والخيال

حسين إسماعيل *

التآمر لغة يأتي بمعنى التشاور. وحين يقال أن جماعة تآمرت على شخص فإن التآمر حينها يأتي بمعنى التشاور من أجل الإيذاء. [1] 

اصطلاحاً لم يختلف المعنى كثيراً؛ فالمؤامرة هذه الأيام انتشرت بمعنى الخطط والاتفاقيات المغيّبة أحياناً عن العامة من قبل أهل السلطة والنفوذ لتحقيق غاياتٍ خاصة.

وتاريخياً، لم تخلُ كثير من الأحداث في شتى بقاع الأرض عن طرح المؤامرة كإحدى مسبباتها الرئيسية. وصحّت في بعض الأوقات فيما كانت باطلة أوقاتاً أخرى.

فقبل الميلاد مثلاً، اتّهم سقراط الطبقة الارستقراطية في مجتمعه بالتآمر عليه وتجييش عواطف العامة ضده وإظهاره بمظهر المفسد من أجل قتله وإنهاء تهديده لمقاماتهم.

الإيرانيون، في خمسينات القرن الماضي، اتهموا أمريكا والمملكة المتحدة بالتآمر عليهم بغرض إسقاط حكومتهم المنتخبة ممثلة برئيسها محمد مصدق والذي قام بتأميم حقول النفط الإيرانية منهياً السيطرة البريطانية عليها. [2] 

وفي الستينات، اتهمت «حركة الإصلاح الاجتماعي» بقيادة مارتن لوثر كينغ بأنها مؤامرة شيوعية تستهدف المجتمع الأمريكي، وقام مناصرو نظرية المؤامرة بنشر البيانات التي ربطت الحركة بستالين، على الرغم من وفاته قبلها بتسع سنين. [3] 

وبغرض التكملة، لا بد من ذكر نظرية المؤامرة الأكثر انتشاراً في أوساط العامة حديثاً: تآمر الغرب على الإسلام والمسلمين والإصرار على القضاء عليهم وإبقاؤهم في حالة التخلف التي يعانون منها.

دائماً ما كانت النظرة الأساسية للمؤامرة مرهونة بطرفين، المستفيد «وهو القوي غالباً أو صاحب الغاية»، والضحية المستضعفة والمستهدفة. ولذلك يتجلى التباين في وجهات النظر والآراء حول المؤامرة حسب موقع الشخص من الإعراب.

على كل، من المؤسف أن نشاهد في الفترة الأخيرة عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي تعزيزاً للفكرة المغلوطة أن النظرية المؤامراتية خاطئة ومسفّهة، بل صار من أعمدة الثقافة ألا ينظر في حيثيات أي قضية بها نكهةٌ مؤامراتية، وصار لزوماً أن يرمى صاحبها بالجهل والحماقة.

لكن حين نراجع حاضرنا وماضينا، فنحن نلحظ كثيراً من الأحداث التي ثبُت بها وجود مؤامرة ما لتحقيق أهداف لن تكون شرعية دون حصول هذه المؤامرة؛ فعلى سبيل المثال كادت الحكومة الأمريكية أن تقوم بعمليات تفجيرية داخلية تتهمُ بها إرهابيين كوبيين زوراً من أجل تبرير الحرب التي ستشنها الولايات المتحدة على جارتها، لكن إدارة كينيدي رفضت الخطة في 1962. [4] 

العدوان الثلاثي الغاشم أيضاً ضد مصر جمال عبد الناصر مثال آخر، حيث حدا تأميم قناة السويس بإسرائيل أن تغزو مصر قبل أن تنضم معها بريطانيا وفرنسا في اعتداء ظالم وعملية مدبّرة مسبقاً من أجل عودة السيطرة الأوروبية على القناة وإسقاط عبد الناصر. [5] 

عموماً، إحدى المشكلات التي نعاني منها كمجتمع هي حالة الرفض لكل ما هو خارج عن المألوف، والعشق الممتنع لإراحة الخاطر والسير مع رأي الأغلبية. وصرنا نشاهد التذرّع بخطأ نظرية ما بحجة أن صحّتها لم تثبت، كالحديث مثلاً عن النظريات الأحيائية المتعلقة بالتطور أو نظريات العقل الباطن لدى العلماء النفسيين. وهذا التذرّع مغلوط من أصله؛ فالنظرية حسب المنهج العلمي ثابتة حتى يثبت خطؤها.

هنا تبدأ معضلة أخرى، فالقصد مما ذكر أعلاه ليس أن كل نظرية صحيحة، بل النظريات المقصودة هي التي سارت على المنهج العلمي مدعّمة بالدليل. ليس من المنطقي أن تُرفض مثل هذه النظريات بحجة كونها مؤامراتية مهما بلغت درجتها، والواجب الاطلاع على أدلتها أولاً ورفضها وإلا فإن الرافض يدخلُ في التعصب الذي يعميه عن تقبل كل ما يخالف آراءه، خصوصاً وأن نظريات المؤامرة غالباً لا يمكن إثبات صحتها بيسر أو بأدلة ملموسة، والمطالبة بإثباتها غير منطقي بقدر ما يجب إثبات بطلانها.

لتقريب الفكرة نظرح «العلة والمعلول» كمثال: لو أن شخصاً ادعى أن فريقه يفوز دوماً إن حضر هو لمشاهدة المباراة بالملعب. حين يُطالب بإثبات صحة زعمه، ليس من الصعب عليه أن يحضُر خمس مبارياتٍ متتالية يفوز فيها فريقه - سيء السمعة تحكيمياً - جميعاً، وها قد أثبت دعواه نظرياً. لكن الواقع أن خسارة فريقه ولو لمرة واحدة أثناء حضوره تبطل حجته وتبرهن أن حضوره وفوز فريقه غير متلازمين. وهنا المقصود؛ فنظرية المؤامرة قد تبنى على أحداث ربما تكون أو لا تكون مترابطة، لكن إبطال حجّية أحد أدلتها كافٍ لتفنيد النظرية وإضعافها.

مجدداً، لست أدعي أن كل مؤامرة صحيحة أو كلها خاطئة، جلّ ما أصبو إليه هو توضيح أنك إذا ارتأيت بنفسك صاحب ثقافة وفكر فمن المفترض أن تدرك أن سرعة إنكار شيء ما دون أن تمتلك دليلاً على صحة إنكارك يدخلك في دائرة الجهل المركّب الذي تمتلئ تغريداتك بالسخرية على أهله، وتصبح دون أن تشعر ممن تنادي أنت بإبعادهم عن وسائل الإعلام.

[1]  المعجم الرائد
[2]  http://www.nytimes.com/library/world/mideast/041600iran-cia-index.html
[3]  The Sixties - Terry Anderson
[4]  http://www2.gwu.edu/~nsarchiv/news/20010430/northwoods.pdf
[5]  مجلة التايم، نوفمبر 12 1956
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
أبو حسن
[ القطيف ]: 11 / 10 / 2013م - 12:34 م
مقال رائع وجميل يا بني. أنت فخر لنا ولكل الشباب المثقف الواعي.
2
مجتبى آل عمير
[ الخويلدية - القطيف ]: 15 / 10 / 2013م - 3:29 ص
لعلي لست مقتنعًا بشيء كما أن مقتنع بهذه النظرية ، حيث التجهيل والإغفال والإغراء والإشغال ، بمنطق (دعو لي السياسة وأدع لكم الخمر والنساء) باختلاف صياغة ..
نعم هنالك من ينكر نوعًا من المؤامرة ، ينبغي تحرير محل النزاع ..